الشيخ صالح صواب

الشيخ عيسى بن معافا شريف

الشيخ أنور الخضري

الشيخ محمد الحاشدي

الشيخ أحمد بن حسن المعلم

الشيخ أكرم مبارك عصبان

الشيخ عبد المجيد بن عزيز الزنداني

الشيخ عبدالله بن فيصل الأهدل

الشيخ عقيل بن محمد بن زيد المقطري

الشيخ علي بن محمد عبد الله بارويس

الشيخ محمد بن موسى العامري

الشيخ مراد بن أحمد العسيري القدسي

الشيخ ناصر العاهمي

الشيخ إسماعيل بن عبدالباري

الشيخ صالح الظبياني

الشيخ صالح باكرمان

الشيخ خالد بن محمد الصادقي

الشيخ صالح بن مبارك دعكيك

الشيخ عبد الله بن محمد الحاشدي

الشيخ عبد المجيد بن محمود الريمي

الشيخ عبد الوهاب بن لطف الديلمي

الشيخ عبد الوهاب بن محمد الحميقاني

الشيخ علي بن محمد مقبول الأهدل

الشيخ كمال بن عبد القادر با مخرمة

الشيخ محمد الصادق مغلس

الشيخ محمد بن إسماعيل العمراني

الشيخ أحمد بن عبد الله القاضي

الشيخ أمين بن عبد الله جعفر

الشيخ عبد السلام بن مقبل المجيدي

الشيخ محمد بن علي الوادعي

الشيخ محمد بن ناصر الحزمي

الشيخ نادر بن سعد العمري

الشيخ أحمد بن علي معوضة

الشيخ أحمد بن محمد المصباحي

الشيخ خالد بن محمد الوصابي

الشيخ حسين بن علي الزومي

الشيخ عبد الرحمن بن سعيد البريهي

الشيخ عبد الرحمن علي العرومي

الشيخ عبد الله بن محمد اليزيدي

الشيخ علي بن محمد المطري الأعروقي

الشيخ عوض بن محمد بانجار

الشيخ ناظم عبد الله باحبارة

الشيخ عبد الله بن غالب الحميري

الشيخ أحمد بن علي برعود

الشيخ حسن بن محمد شبالة

  
  
 
 
18473043
 
 
 
 
صفحات العلماء والدعاة
   
الشيخ مراد بن أحمد القدسي
   
مقالات
   
مفهوم الدولة المدنية، مقوماتها، والموقف الشرعي منها
الشيخ/ مراد بن أحمد القدسي
الأحد 9 أكتوبر 2011

مفهوم الدولة المدنية:

"بما أن مصطلحات الدولة المدنية، والدينية (الثيوقراطية)، و(الأوتوقراطية) مصطلحات نشأت في الغرب أساساً، فلا بد قبل أن نسعى إلى تطبيقها على واقعنا، أو نقرر رفضها وقبولها اجتماعياً ودينياً، وأن نستوعب معانيها كما هي في الثقافة التي أنشأتها، وأي منها يتعارض مع الإسلام ويتفق معه".

"هذا مفهوم مترجم ومعرب من الثقافة الغربية الحديثة، ويقصد به الدولة التي تستقل بشؤونها عن هيمنة وتدخل الكنيسة؛ فالدولة المدنية هي التي تضع قوانينها حسب المصالح والانتخابات والأجهزة، والتي في نفس الوقت لا تخضع لتدخلات الكنيسة".

والكنيسة في الغرب كانت هي راعية الدين والممثلة له؛ فاستقلال الدولة المدنية عن تدخل الكنيسة ووضعها للقوانين حسب المصالح، معناه عند القوم استقلالها عن الدين، وهو ما يعني أن الدولة المدنية هي الدولة العلمانية.

ويقول كاتب آخر: "فمن الناحية التاريخية إذا رجعنا إلى أصل اصطلاحها الغربي، نجد أن للدولة المدنية مفهوماً فلسفياً سياسياً، مناقضاً للدولة الدينية (الثيوقراطية)، والتي يتأرجح مفهومها (نظرياً) بين حكم رجال الدين، وتحكيم الدين نفسه في السياسة؛ بغضِّ النظر عن طبيعة من يحكم به! ويتمثل مفهومها عملياً بتنحية الدين عن السياسة مطلقاً؛ باعتبار الدين هو مجموعة قوانين إلهية مميزة للدولة الدينية... فكانت الدولة المدنية بمبدئها الرافض لتدخل الدين في السياسة دولة علمانية، وأنها تمثل عبر التاريخ سواء في الشرق أو الغرب عند دعاتها إطاراً سياسياً للعلمانية قابلاً لتوظيف أي اتجاه فلسفي إيديولوجي في الحياة؛ بشرط تنحية الدين عن السياسة".

"الحكومة المدنية في الفضاء المعرفي الغربي تعني تنظيم المجتمع وحكمه بالتوافق بين أبنائه بعيداً عن أي سلطة أخرى سواء دينية أو غيرها، أي أن شرط (العلمانية) أساسي في تلك الحكومات".

مقومات الدولة المدنية:

أولاً: المواطنة المتساوية:

وفي ذلك العديد من المحاذير:

1- الدعوة إلى المساواة التامة بين المسلمين وغيرهم في بلاد الإسلام.

يقول د/ يحيى الجمل: "بوضوح وبإيجاز شديد، يعني مبدأ المواطنة أن كل مواطن يتساوى مع كل مواطن آخر في الحقوق والواجبات، ماداموا في مراكز قانونية واحدة... إذا صدرت قاعدة قانونية تقول إنه لا يجوز للمصري غير المسلم أن يتولى منصبًا معينًا أو ألا يباشر حقًا سياسيا معينًا؛ فإن هذه القاعدة تكون غير دستورية لمخالفتها مبدأ المواطنة... إن حق المواطن بصفته مواطنًا أن يدخل أي حزب شاء، أو أن يلي أي منصب عام تنطبق عليه شروطه لا يرتبط بكونه منتميا إلي دين معين، أو أنه بغير دين أصلاً. فمن حق المواطن أن يكون مواطنًا حتى ولو لم يكن صاحب دين سماوي من الأديان الثلاثة المعروفة".

2- الدعوة أن تكون الوحدة على الولاء القومي والوطني، والدعوة إلى المساواة بين أبناء الوطن الواحد، وعدم التفرقة بينهم على أساس ديني أو طائفي أو جنس فمعيار الأفضلية عندهم في المجتمع للكفاءة والنزاهة وخدمة المجتمع والوطن.

3- إضاعة المفاهيم والأحكام المتعلقة بالولاء والبراء، حيث يؤسس الولاء والبراء في المواطنة على أساس الحدود الجغرافية، ولا يؤسس على الحقائق الإيمانية.

4- تشتيت الأمة والتأكيد على انعزال أقطارها، والمعاونة على عناية كل فرد بوطنه بقطع النظر عن بقية أوطان المسلمين.

5- ضياع المصطلحات الإسلامية وذوبانها في المصطلحات الوافدة من أمم الكفر.

6- الاعتراف بلسان الحال -وليس بلسان المقال- بسيادة المصطلحات الوافدة وغلبتها للمصطلحات الإسلامية، وقدرتها على الوفاء بحاجات المسلمين أكثر من مصطلحاتهم الواردة في الكتاب والسنة.

7- تجذر الهزيمة النفسية والثقافية أمام أعداء الأمة، والقنوع بمكانة التابع لهم، والرضا بالواقع، وضعف الهمة للتغيير.

8- إيجاد نوع من الشك عند بعض المسلمين؛ إذ يتبين من هذا المسلك أنه لا علاج للمشكلات التي تعاني منها المجتمعات الإسلامية إلا بمتابعة المجتمعات الكافرة في معالجتها لمشكلاتها، مما يفقدهم الإيمان بصلاحية الشريعة، وجدوى اتباعها لإصلاح الواقع.

9- لا يشترط في ولاية المسلمين الإسلام، الدولة المدنية تدعو إلى ولاية الكافر على المسلم، الولاية العظمي أي الرئاسة، وولاية القضاء، والجيش، بحجة المساواة في الوطن، وبناءً على هذه الفكرة فقد تم إسقاط شرط الإسلام من شروط الرئاسة في دساتير أكثر الدول الإسلامية.

10- إنكار نصوص الشريعة الإسلامية التي فرقت بين الرجل والمرأة في كثير من الأحكام بالدعوة للمساواة بينهما من غير فرق.

11- إحياء الحضارات القديمة كالفرعونية والبابلية والسبئية والحميرية وغيرها.

13- منع إجراء أحكام الردة على من يستحقها شرعاً؛ فمن مساوئ المواطنة إباحة الردة، وترك الإسلام؛ لأنه في نظر دعاة الوطنية لا فرق بين المسلم والكافر.

14- إباحة زواج المسلمة من الكافر من اليهودي والنصراني وغيرهما للمساواة في الوطن أو القومية، مع أن الإسلام حرم ذلك.

ثانياً: سيادة القانون:

السيادة لفظ يقصد به الاستقلال وعدم الخضوع لأحد. كان هذا الاسم في الأصل قاصرًا على الملوك، فكل فرد في المملكة خاضع للملك، أما الملك في العادة فهو السيد الذي لا يخضع لأحد من الناس.

واليوم تعتبر الدول القومية مستقلة، ولهذا يقال إنها تتمتع بالسيادة، وتُسَيّر شؤونها الخاصة في المعاهدات، وتُعلن الحرب، وتقوم بأي سلوك دون موافقة من أي دولة أخرى. لكن الدول الصغيرة أحيانًا تكون ذات سيادة بالاسم فقط؛ لأنها تضع سياستها وتُسيّر شؤونها بشكلٍ يُرْضي رغبات واحتياجات دولة أقوى.

تعريف القانون:

مجموعة من القواعد والأسس التي تنظم مجتمعًا ما. ويُعد القانون واحدًا من بين أكثر النظم الاجتماعية الأساسية أهمية وضرورة، ولا يمكن لأي مجتمع أن يعيش إذا كان كل أفراده يفعلون ما يروق لهم دون مراعاة لحقوق الآخرين، أو إذا كان أعضاؤه لا يعترفون بأن عليهم التزامات معينة في مواجهة بعضهم بعضًا. وهكذا يقرر القانون القواعد التي تحدد حقوق أي شخص والتزاماته.

ويضع القانون أيضًا الجزاءات التي توقع على من يخالف هذه القواعد، ويبين كيفية تطبيق الحكومة لتلك القواعد والجزاءات، وبالرغم من ذلك يمكن للقواعد التي تطبقها الحكومة أن تتغير. ففي الواقع، تُعدل القوانين بصورة متكررة لكي تعكس المتغيرات التي تطرأ على حاجات المجتمع واتجاهاته.

سيادة القانون في الدولة المدنية:

ترتكز أساسًا على التشريع أي الأعمال التشريعية، وقد جمعت غالبية الدول التي تأخذ بنظام القانون المدني قوانينها التشريعية في مجموعة أو أكثر من المجموعات التي نُظِّمت بعناية وأطلــق عليها اسم المدوّنات أو مجموعات القوانين.

ويمكن إرجاع أصول معظم مجموعات القوانين الحديثة إلى المجموعة الشهيرة التي أمر الإمبراطور الروماني جستنيان بإعدادها في القرن السادس الميلادي. وقد تولت مدونة جستنيان تحديث جميع القوانين الرومانية وتلخيصها.

وكانت تسمى كوربس جورس سيفيليس، ومعناها مجموعة القانون المدني. ولهذا السبب عُرفت النظم القانونية التي استنبطت أحكامها من القانون الروماني القائم على التشريع والتقنين باسم نظـم القانون المدني، ويتعين عدم الخلط بين هذا الاستعمال لمصطلح القانون المدني واستعماله للتمييز بينه وبين مصطلح القانون الجنائي.

وفي الدول التي تطبق نظام القانون المدني، كفرنسا، وألمانيا، والمكسيك، وكذلك معظم الدول العربية والإسلامية يقدِّم التشريع -وليس المحاكم- الإجابة الفاصلة لأية مسألة من مسائل القانون. ومن الجائز للقضاة الإشارة إلى السوابق القضائية عند إصدار قراراتهم. لكن يجب عليهم تأسيس أي قرار يصدرونه على تشريع محدد وليس على السابقة القضائية وحدها.

معنى القانون المدني:

ومصطلح القانون المدني يمكن أن يعني أيضًا القانون في معظم البلاد الأوروبية مقابل القانون العرفي.

ففي إنجلترا وبعض الدول الأخرى التي أخذت بالنظام نفسه، وتحت هذا النوع من القانون المدني نجد أن مجموعة القوانين التي وافقت عليها السلطة التشريعية، هي المصادر الرئيسية التي يستخدمها القضاة لإصدار أحكامهم بناء على الأحكام التي سبق أن صدرت في محاكم مماثلة، وفي إطار القانون العرفي يتخذ القضاة قراراتهم.

يرجع القانون المدني أصلاً إلى مجموعة القوانين التي جمعها الإمبراطور الروماني جستنيان في القرن السادس الميلادي، وكانت هذه الأحكام تُستخدم لحكم الإمبراطورية الرومانية قانونًا مدنيًا جديدًا، واكتسبت شعبية في معظم البلدان الأوروبية؛ وذلك بعد تطبيقه في فرنسا عام 1804م.

وهذا القانون يسمى قوانين نابليون أو مجموعة القوانين المدنية، وقد جمعت بين القانون الروماني وقانون شمالي فرنسا. وهذا القانون المدني هو أساس القانون الحالي في كوبيك، والمكسيك، وعند بعض شعوب أمريكا الجنوبية. وشهدت البلاد التي تطبق القانون العرفي اهتمامًا كبيرًا لتنظيم بعض القوانين الموجودة لتصير مجموعات القوانين، وتشمل الأمثلة قانون الأعمال، وقانون الجريمة.

مصدر القوانين في بلاد الإسلام:

الأصل أن تصدر القوانين في الدول العربية والإسلامية بصفة عامة على أساس الشريعة الإسلامية ابتداءً فيما عليه نص، وبناء ما ليس عليه نص وفقًا لأرجح الآراء الفقهية، مع حفظ الثوابت، وتطوير المتغيرات مع اختلاف الزمان والمكان.

الآثار السيئة للدولة المدنية في مبدأ سيادة القانون:

1- الدعوة إلى العلمانية، وفصل الدين عن الحياة، وجعل القوانين من نابعة من المدنية الغربية، فتكون الدولة المدنية ورأيها وتصوراتها وقيمها وموازينها غربية فهو منها يستقي.

2- إنكار التحاكم للشريعة الإسلامية في أمور السياسة، ومن ثم تطبيق القوانين الوضعية، ويحصر التعبد بالإسلام في الأمور التعبدية.

3- تغليب الجانب العقلي في أمور الدنيا، وليس له مرجعية شرعية يضبط أصولها وأحكامها.

4- التصريح بأن الدين لا يتوافق مع الحضارة، وأنه يدعو إلى التخلف.

5- السعي إلى تطبيق النظام الاقتصادي الليبرالي، وعدم الرجوع إلى الدين في هذا المجال باعتباره عائقا للتطور الاقتصادي الليبرالي.

6- الدعوة إلى إخراج المرأة وتبريحها، والسخرية من حجابها، وعزل قضايا المرأة فيما يتعلق بها من حقوق عن الشريعة.

ثالثًا: التعددية وقبول الآخر:

ومن مقومات الدولة المدنية: القبول بتعدد الآراء والمصالح داخل المجتمع، والقبول بالآخر أياً كانت عقيدته وديانته, على أن يُدار هذا التعدد بشكل سلمي، من خلال إقرار المجتمع بممارسة الحقوق والحريات السياسية، وكل ذلك في إطار قانوني يحمي ويصون ويضمن سلامة المجتمع وأمنه.

ومن المصطلحات التي يروج لها الكتاب والصحفيين على سبيل تلبيس الحق بالباطل القبول بالآخر، والآخر المعني به غير المسلم من الكفار والوثنيين والفرق المارقة عن الإسلام كالباطنية والقاديانية، والقبول بها كما تزعم الدولة المدنية يؤدي إلى العديد من المحاذير.

1- إزالة الاختلاف العقدي بين أهل الإسلام وغيرهم من أهل الديانات والطوائف والفرق الضالة.

2- الدعوة إلى كسر الثوابت الشرعية، فلا تقسيم للناس على أساس على أساس الديانة أو العقيدة، فالجميع إخوة في (الإنسانية)!! و(حرية الفكر) متاحة للجميع بشكل مطلق، حتى تصل إلى الردة والدعوة إلى موالاة الكفار وترك معاداتهم، والدعوة إلى التقريب للأديان.

3ـ التمهيد والتخطيط لإرساء قواعد مذاهب فلسفية وفكرية وسياسية في المجتمع المسلم والنظام السياسي لذلك المجتمع، وهي خطيرة جدا من حيث مخالفتها لأصول إيمانية ومنهجية في العقيدة الإسلامية، مثل (التعددية) و(الفردية) و(الحداثة)، وبالطبع حتى الوصول للمصيبة الكبرى (الليبرالية) التي تتيح كنظام سياسي لهذه التيارات أرضا خصبة لتنمو فيها بأن تعبر عن وجودها بحرية أكثر وبشكل رسمي لا يجد أمامه أي حواجز أو يصطدم بأي عقبات، فيفسر ذلك رغبتهم وسعيهم الدءوب وأمانيهم بإزاحة الشريعة عن الحكم واستبدالها بالليبرالية المنقذة!!

4- ضمن ثقافة ما يسمونه (القبول بالآخر) يريد بعض الغربيين من المسلمين أن يقدموا تنازلات في العقيدة وفي ما حدده الإسلام من رؤية جديدة للديانات الأخرى، وأسلوب التعامل مع غير المسلمين.

5- الدعوة إلى التقليد للغرب بحضارته وثقافته، باستخدام تحريك الشهوات، وإثارة الغرائز، وأساليب الحكم، والتعامل مع الحياة بالطريقة المادية.

6- التبرير لما عليه الغرب حتى لو نال من المقدسات ولو سب الدين والرسول صلى الله عليه وسلم، وإغفال قضايا المسلمين الأساسية، والعمل على تهميشها.

7ـ فتح المجال للأحزاب الهدامة، والتي تحمل أفكاراً سامة، وهدماً لثوابت الشريعة الإسلامية، بحجة القبول بالآخر.

حكم التعددية الحزبية:

اختلف العلماء والمفكرون المعاصرون في حكم التعددية السياسية إلى قولين:

القول الأول: إن التعددية السياسية حرام، وإليه ذهب بعض العلماء منهم: الشيخ حسن البنا, والدكتور بكر أبو زيد، والشيخ صفي الرحمن المباركفوري، والدكتور فتحي يكن، والشيخ وحيد الدين خان.

القول الثاني: إن التعددية السياسية جائزة، وإليه ذهب من العلماء: الدكتور أحمد الفنجري، والشيخ تقي الدين النبهاني، والدكتور صالح سميع، والدكتور صادق أمين، والدكتور صلاح الصاوي، والدكتور عبد الرحمن عبد الخالق، والدكتور عبد الله النفيسي، والدكتور عبد الوهاب الديلمي، والدكتور عدنان النحوي، والدكتور محمد أبو فارس، والأستاذ محمد العوضي، والدكتور يوسف القرضاوي.

الترجيح:

مما لا شك فيه أن لكل أمة هوية خاصة، يتقيد بها الأفراد والجماعات، وعبر تاريخ الأمة الإسلامية تقيدت الأمة بالإسلام، والعمل الإسلامي يسعى جاهداً لعودة الأمة إلى الإسلام، حيث أن خروجها عن إطارها حالة مرضية يجب أن تنتهي، وعليه فإن الأمة إذا عادت إلى حالتها الصحية، فإننا سنجد الأمر من الناحية الواقعية يختلف كثيراً عن البعد النظري التي نوقشت المسألة من خلاله؛ فلعل القول الثاني هو الراجح لأن التعددية السياسية عبارة عن اجتهادات في إدارة الدولة عبر برامج، مثلما حصل من اختلاف من أساليب الإدارة في الخلفاء الراشدين، مثلا الحزم الذي كان عمر رضي الله عنه جعل الأمور تحقق الاستقرار، ثم بعده عثمان رضي الله عنه فكان ليناً حتى تجرأ عليه الغوغاء، فقال لهم: "ما جرأكم على إلا حلمي".

والمؤمن إذا مُكِّن لدينه يجب أن يكون على يقين بولاء الناس لدين الحق والعدل، بعد وقوفهم عليه، وكذلك عليه أن يكون لديه سعة صدر لقبول الآخرين، والتعاطي معهم حتى وصول الحق إليهم.

شروط التعددية السياسية:

وحتى تكون التعددية السياسية نموذجاً في طريق تحقيق الأهداف والغايات التي أنشأت من أجلها، وتصبح تعددية حقيقية تنشد المصلحة العامة، كان لا بد أن تلتزم بثوابت لا تتعداها، وتتقيد بضوابط لا تتجاوزها؛ وهذه الضوابط تتمثل في:

1- أن تكون التعددية السياسية مؤمنة تمام الإيمان بالعقيدة الإسلامية، والشريعة الإسلامية المنبثقة عنها، قال الله تعالى: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران: 85]، فلا يسمح أن تتحزب على أصل بدعي يخالف أصول السنة والجماعة، أو بدع جزئية كثيرات.

2- أن يكون الالتزام بالحق والمصالح العامة للأمة هو البديل عن الالتزام الحزبي الذي تقرره الأحزاب العلمانية، فالذي يحكم القرار، والاختيار، والتوجه هو الحق والمصلحة، وليس مجرد الانتماء إلى الحزب، أو الانتساب إلى تكتل سياسي بعينه، فهذا يمثل في ميزان الشرع جريمة منكرة، وهو نوع من العصبية الجاهلية، قال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ نَصَرَ قَوْمَهُ عَلَى غَيْرِ الحَقِّ، فَهُوَ كَالبَعِيرِ الذِي رُدِي، فَهُوَ يَنْزِعُ بِذَنَبِهِ».

3- التزام السمع والطاعة لولي الأمر باعتباره ممثلاً لكافة الأمة وعدم منازعته أو شق عصا الطاعة بما أنه قائم بالعدل ويحكم بالشريعة، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ} [النساء: 59].

4- الإقرار بالحاكمية لله تعالى في جميع نواحي الحياة وجزئياتها، ونفرده بذلك سبحانه عما سواه، قال تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ} [يوسف: 40]، وأن تكون غايتهم إقامة القانون الإلهي، والمحافظة على استمرار تطبيق الشريعة الإسلامية في كل شئون الحياة، قال تعالى: {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} [الحج: 41].

5- محاربة الداعين إلى إقصاء الشريعة الإسلامية عن واقع الحكم، دون مهادنة أو مداراة، وعدم موالاة أي راية منحرفة عن منهج الله، قال تعالى: {وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [التوبة: 23].

6- العمل على تحقيق المصالح العامة للأمة، ودفع المفاسد عنها، وبذل الجهد في ذلك، وأن تكون هذه المصالح بمثابة الإطار الجامع الذي يتفق الجميع على دعمه، وهم في هذه الدائرة نسيج واحد وحزب واحد، وهم يد على من سواهم، ولا يمنع التفاوت فيما وراء ذلك من الأساليب من تماسك كافة هذه الفصائل والتقائها جميعاً في هذا الخندق الجامع.

7- المحافظة على وحدة الأمة المسلمة؛ إذ تمثل الوحدة صمام الأمان في علو شأن الأمة وقوة شوكتها ومجابهتها لأعدائها، قال تعالى: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ} [آل عمران: 103]، فدون ذلك تشرذم الأمة وذهاب ريحها، قال تعالى: {وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الأنفال: 46].

8- إحسان الظن بالآخرين، وخلع المنظار الأسود عند النظر إلى أعمالهم ومواقفهم؛ فلا ينبغي أن يكون سلوك المؤمن واتجاهه قائماً على تزكية نفسه واتهام غيره، وهذا الأمر يعد من المبادئ الأخلاقية المهمة في التعامل بين الإسلاميين، فالمؤمن -كما قال بعض السلف-: "أشد حساباً لنفسه من سلطان غاشم، ومن شريك شحيح"، فهو أبداً متهم لنفسه لا يتسامح معها، ولا يبرر لها خطأها، يغلب عليه شعور التفريط في جنب الله، وهو في الجانب المقابل يلتمس المعاذير لخلق الله، وخصوصاً لإخوانه، والعاملين معه لنصرة دين الله، فهو يقول ما قال بعض السلف الصالح: "ألتمس لأخي من عذر إلى سبعين، ثم أقول: لعل له عذراً آخر لا أعرفه".

إن سوء الظن من خصال الشر التي حذر منها القرآن والسنة، فالأصل حمل المسلم على الصلاح، وألا تظن به إلا خيراً، وأن تحمل ما يصدر منه على أحسن الوجوه، وإن بدا ضعفها، تغليباً لجانب الخير على جانب الشر، والله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} [الحجرات: 12]، والمراد ظن السوء الذي لم يقم عليه دليل حاسم.

9- التناصح والتواصي بالخير: وهذا من لوازم التعددية السياسية الإسلامية، حتى تكون الأمة قوية موحدة لا تفرقها الوسائل المتباينة في خدمة الإسلام، والله تعالى يقول: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر: 3]؛ ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ». وكذلك ينبغي احترام الرأي المخالف، وعدم اللمز والتعيير على الآخرين، إذا اختلفوا معه في الفروع الاجتهادية، فلكل مجتهد نصيب، إذ الإنكار والتشنيع عليهم وإيذائهم بذلك يورث التفرق والاختلاف.

10- الحوار بالتي هي أحسن: وهذه من الدعائم الأساسية في أدب الاختلاف، وهو ما أمر الله تعالى به في كتابه حين قال: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125]. فالقرآن يطلب اتخاذ أحسن الطرائق وأمثلها للجدال، أو الحوار حتى يؤتي أكله؛ ومن هذه الطرائق أو الأساليب: أن يختار المجادل أرق التعبيرات وألطفها في مخاطبة الطرف الآخر، ولهذا استخدم القرآن في مخاطبة اليهود والنصارى تعبيراً له إيحاؤه ودلالته في التقريب بينهم وبين المسلمين، وهو تعبير " أهل الكتاب" أو " الذين أوتوا الكتاب".

ومن أساليب الحوار بالحسنى: التركيز على نقاط الالتقاء، ومواضع الاتفاق بينك وبين من تحاوره، وهو أسلوب قرآني، قال تعالى: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [العنكبوت: 46]؛ فإذا كان هذا موقف المسلم ممن يجادله من أهل الكتاب الذين يخالفونه في عقيدته، فكيف ينبغي أن يكون موقفه من أخيه المسلم؟!

إن الكلمة العنيفة لا لزوم لها، ولا ثمرة تجتنى من ورائها، إلا أنها تجرح المشاعر، وتغير مودة القلوب، قال الشاعر:

إن القلوب إذا تنافر ودها *** مثل الزجاجة كسرها لا يشعب

إن حسن اختيار بعض الجمل أو العبارات المناسبة في بعض الأحيان، يحل مشكلات ويفض اشتباكات؛ وهذا ما يحسن بالدعاة والمفكرين، والعاملين للإسلام أن يحرصوا عليه ويدققوا فيه.

11- نبذ الخلاف والفرقة، والبعد عن التباغض والشحناء: فالاختلاف في الفروع الاجتهادية لا يوجب التخاصم والكراهية، قال تعالى في وصف المؤمنين: {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} [المائدة: 54]؛ وقال صلى الله عليه وسلم: «المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ لا يَظْلِمُهُ، وَلا يَخْذُلُهُ، وَلا يَحْقِرُهُ...»؛ وكذلك إزالة الحسد، فهو الذي يحمل على صاحبه على اتباع هواه، ويجعله يتكلم فيمن يحسده، ولله در القائل:" لله در الحسد ما أعدله بدأ بصاحبه فقتله"!

وعدم الحسد، والإحسان إلى المسلمين هو الأمر اللازم لتحقيق النصرة بين المسلمين؛ وهذا هو الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: «مَـا مِن امْرِئٍ يَخْذُلُ امْرَءاً مُسْلِماً فِي مَوْطِنٍ يُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ، وَيُنْتَهَكُ فِيهِ مِنْ حُرْمَتِهِ، إِلا خَذَلَهُ اللهُ تَعَالَى فِي مَوْطِنٍ يُحِبُ فِيهِ نُصْرَتَهُ، وَمَا مِنْ أَحَدٍ يَنْصُرُ مُسْلِماً فِي مَوْطِنٍ يُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ، وَيُنْتَهَـكُ فِيـهِ مِـنْ حُرْمَتِهِ، إِلا نَصَرَهُ اللهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُ فِيهِ نُصْرَتَهُ».

فينبغي على العاملين في الأحزاب السياسية أن يتقوا ذلك، وأن يحسنوا في أعمالهم وأقوالهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً.

12- أن تنتهج الأحزاب السياسية أسلوب الوسطية في أقوالها، وأعمالها، وأحوالها، دون إفراط أو تفريط: فمن مقاصد الدين الإسلامي بناء المجتمع المسلم الوسط، وإن الغلو أو الجفاء يخالف كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فدين الله تعالى بين الغالي والجافي {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة: 143]، وليس معنى الوسط البرود وتمييع القضايا، والتسويف في القيام بالواجبات، وهذا خطأ، فلا بد من أخذ الكتاب بقوة، لكن الوسط أخذ أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم حباً وتسليماً وانقياداً، كما أراد الله ورسوله بلا زيادة ولا نقص.

واتباع المنهج الوسط دعامة في التعددية السياسية لتقريب الشقة وإزالة الجفوة بين الداعين للإسلام؛ ويعتبر أيضاً من أهم أسباب الوفاق والتقارب بينهم: تجنب التنطع في الدين، وهو ما أنذر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بالهلاك فيما رواه عنه ابن مسعود رضي الله عنه قال: «هَلَكَ المُتَنَطِّعُونَ.. قالها ثلاثاً»، سواء كان هذا القول إخباراً عن هلاكهم، أم دعاءاً عليهم، والمتنطعون كما قال الإمام النووي -رحمه الله-: المتعمقـون الغالون، المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم.

13- الإخلاص التام في العمل، والاعتراف بالتقصير، ودوام الاتصال مع الله سبحانه وتعالى: وبهذا تحفظ الدعوة والحركات الإسلامية، فينبغي على العاملين في حقل الدعوة الإسلامية أن لا يألوا جهداً، ولا يدخروا وقتاً في خدمة دعوة الله، والخضوع والانقياد له تعالى، فيبذلوا ويجاهدوا ويدعوا، وفي المقابل لا يزكوا أنفسهم، ولا يدَّعوا الكمال، ولا يصيبهم العجب، بل يتهموا أنفسهم دوماً بالنقص والتقصير، فيجددوا توبتهم وإنابتهم لله تعالى، قال سبحانه: {وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاء} [النور: 21].

وهكذا إذا كانت الجماعات والأحزاب الإسلامية سليمة الفطرة، معترفة بتقصيرها في جنب الله، فإن الشدائد تجملها، وتوحد صفها في مواجهة أعداء الله، وهذا ما ينبغي أن يكون عليه العاملون للإسلام دوماً: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ} [الصف: 4].

رابعًا: محاسبة السلطة:

ومن المقومات الأساسية للدولة المدنية أيضًا: وجود نظام وإطار حقيقي لمحاسبة ومساءلة السلطة، بما يحويه من ضمانات سياسية وقانونية وإدارية، وتهدف محاسبة السلطة إلى صون حقوق المواطن، وتحقيق رفاهيته، وتمكينه من محاسبة أولئك الذين يضطلعون نيابة عنه، وشريعتنا الإسلامية أقرت كيفية اختيار الحكام وضرورة محاسبتهم، ولكن هناك فروق جوهرية بين الشريعة والدولة المدنية في هذا الباب:

1- الدولة المدنية تقر وجود ما يسمى معارضة لا شغل لها سوى المعارضة، ويقال إنها الوجه الآخر للسلطة، ويغلب على فعلها التتبع الدقيق لأخطاء السلطة الحاكمة والتشهير بها وغمطها حقها في بعض الأحيان، وفي شريعتنا هناك راعي ورعية، وللرعية نصح الحاكم ومحاسبته دون تشهير، وإنما سراً، ويجوز في أحوال الجهر ويحرص الناصح للحاكم على:

1- رحمة الآمر الناهي نفسه بقيامه بواجب الأمر والنهي طاعة لأمر الله تعالى ورجاء ثوابه.

2- رحمة المأمور المنهي بتجنيبه مواضع سخط الله تعالى.

3- رحمة الأمة بتقليل الخبث فيها، لأنه متى ظهر فيها ترك المعروف أو فعل المنكر من غير تغيير لذلك أوشك الله تعالى أن يعم الجميع بعقاب منه، حتى مع وجود الصالحين، وليس من دواعي الأمر والنهي عند الآمر الناهي التسلط على العباد أو التشهير بهم وفضحهم، أو إظهار نقصهم وقصورهم أمام الناس.

2- في الدولة المدنية يتم تنظيم المحاسبة للحاكم بما ترغب به المعارضة أو إلى ما تم إقراره من قوانين ولو كانت مخالفة للشريعة الإسلامية، وفي الفقه الإسلامي أنشئ ما يسمى بديوان المظالم حتى تتم المحاسبة بشكل صحيح وموافق للشريعة.

ديوان المظالم:

ديوان المظالم والذي هو في جزء كبير من اختصاصه النظر في تعدي الولاة وظلمهم، وهو كما قال الماوردي: "والذي يختص بنظر المظالم يشتمل على عشرة أقسام:

فالقسم الأول النظر في تعدي الولاة على الرعية وأخذهم بالعسف في السيرة، فهذا من لوازم النظر في المظالم الذي لا يقف على ظلامة متظلم، فيكون لسيرة الولاة متصفحا عن أحوالهم مستكشفا ليقويهم إن أنصفوا ويكفهم إن عسفوا، ويستبدل بهم إن لم ينصفوا.

والقسم الثاني: جور العمال فيما يجبونه من الأموال، فيرجع فيه إلى القوانين العادلة في دواوين الأئمة، فيحمل الناس عليها ويأخذ العمال بها وينظر فيما استزادوه، فإن رفعوه إلى بيت المال أمر برده، وإن أخذوه لأنفسهم استرجعه لأربابه.

والقسم الثالث: كتاب الدواوين والإحاطة بأحوالهم لأنهم أمناء المسلمين على ثبوت أموالهم فيما يستوفونه منهم ويوفرونه لهم من الحقوق في الحال والمآل، فيتصفح ما وكل إليهم تدبيره من الأعمال؛ فإن وجدهم نقدوا الحق في دخل أو خرج إلى زيادة أو نقصان في تفصيل أو أجمال أعاده إلى قوانينه العادلة واستعمل السياسة معهم في المقابلة على تجاوزه... وهذه الأقسام الثلاثة لا يحتاج والي المظالم تصفحها إلى متظلم.

والقسم الرابع: تظلم المسترزقة من نقص أرزاقهم أو تأخرها عنهم وإجحاف النظر بهم، فيرجع إلى ديوانه في فرض العطاء العادل فيجريهم عليه، وينظر فيما نقصوه أو منعوه من قبل، فإن أخذه ولاة أمورهم استرجعه منهم، وإن لم يأخذوه قضاه من بيت المال.

كتب بعض ولاة الأجناد إلى المأمون أن الجند شعبوا ونهبوا، فكتب إليه لو عدلت لم يشعبوا، ولو وفيت لم ينهبوا، وعزله عنهم وأدر عليهم أرزاقهم.

والقسم الخامس: رد الغصوب، وهي ضربان:

أحدهما: غصوب سلطانية قد تغلب عليها ولاة الجور كالأملاك المقبوضة عن أربابها، إما لرغبة فيها، وإما لتعد على أهلها، فهذا إن علم به والي المظالم عند تصفح الأمور أمر برده قبل التظلم إليه، وإن لم يعلم به فهو موقوف على تظلم أربابه، ويجوز أن يرجع فيه عند تظلمهم إلى ديوان السلطنة فإذا وجد فيه ذكر قبضها على مالكها عمل عليه وأمر بردها إليه ولم يحتج إلى بينة تشهد به وكان ما وجده في الديوان كافيا.

والضرب الثاني: من الغصوب ما تغلب عليها ذوو الأيدي القوية وتصرفوا فيه تصرف الملاك بالقهر والغلبة، فهذا موقوف على تظلم أربابه ولا ينتزع من يد غاصبه إلا بأحد أربعة أمور، إما باعتراف الغاصب وإقراره، وإما بعلم والي المظالم فيجوز له أن يحكم عليه لعلمه، وإما ببينة تشهد على الغاصب بغصبه أو تشهد للمغصوب منه بملكه، وإما بتظاهر الأخبار الذي ينفي عنها التواطؤ، ولا يختلج فيها الشكوك لأنه لما جاز للشهود أن يشهدوا في الأملاك بتظاهر الأخبار كان حكم ولاة المظالم بذلك أحق"، فذكر رحمه الله تعالى خمسة أقسام كلها في الحسبة على الولاة

الحسبة بين الإسرار والإعلان:

تكون جهراً: فإذا كان موضوع الحسبة من الأمور المعلوم حكمها، أو كان المحتسب عليه ممن لا يقبل النصح ولا يلقي له بالا، أو كان الأمر المحتسب فيه يتعلق بالعامة وليس بشخص المحتسب عليه، فقد يكون الإسرار في ذلك مفسدة تؤدي إلى شيوع المنكر بلا مدافعة ولا نكير، ويكون من المصلحة الإعلان بذلك لتقرير الحق وبيانه، وحتى يعلم الناس أن أهل العلم لا يداهنون ولاتهم، فلا يفقدون الثقة فيهم، وقد تحمل الوقائع التي أعلن المحتسب فيها حسبته على ذلك الوضع.

ويكون سراً: وإذا كان موضوع الحسبة من الأمور التي يمكن أن يدخلها الاجتهاد أو كان المحتسب عليه ممن يقبل النصح وينتفع به، أو كان الأمر المحتسب فيه مسألة شخصية تتعلق بالمحتسب عليه ولا تتعلق بأمر العامة، فقد يكون في الإعلان بذلك مفسدة تؤدي إلى خلل واضطراب واجتراء الناس على ولاتهم، ويكون من المصلحة الإسرار بذلك.

2- ومن الإشكالات في المحاسبة: أنها قد تنفذ ما يرغب به الأعداء، أو تكون من صنع الحاكم المستبد.

- ففي بعض الأحيان يقوم النظام الحاكم بتوزيع الأدوار على أنصاره، فيفرز بعضهم ويضعه في صف المعارضة، ويضع البعض الآخر في صف الموالاة، لكي يظهر أمام الناس في الداخل والخارج بأنه «ديمقراطي» ويسمح بما يسمى التعددية السياسية.

- وفي أحيان أخرى تقوم أميركا بتصنيع المعارضة، لكي تمتطيها وتستعملها أداة لتنفيذ مآربها، لإسقاط النظام، أو للضغط عليه، بحيث يستسلم لمطالبها، ويسلمها البلد بكل ما فيه.

خامسًا: التداول السلمي للسلطة:

أما عن المقوم الأخير للدولة المدنية وهو التداول السلمي للسلطة، فيقصد به وجود آليات لانتقال المنصب السياسي من فرد إلى آخر، سواء أكان شاغل المنصب رئيسًا للجمهورية أو للوزراء في النظم الرئاسية والبرلمانية على الترتيب.

الحاجة للتداول السلمي للسلطة:

ترزح كثير من الشعوب العربية تحت حكم مستبد, يُؤبِّد الحاكم, فيحتكر السلطة, بالتضليل والتزوير, ويورثها, كما التركة, دون ثمثيل من الشعب حر, مباشر, أو غير مباشر؛ ما ينشىء الظلم الاقتصادي والسياسي, والاحتقان الاجتماعي, ويوهن في أبناء الشعب كثيراً من معاني الانتماء للدولة والوطن؛ حين يستشعرون التهميش, والاستهانة؛ فيولد ذلك في الأغلب طباعا في العامة غير طيبة ولا محمودة, وتنشط الممارسات الخاطئة من قبيل المحسوبية والرشوة والنفاق, وقد يقود الاستئثار بالسلطة إلى الغلو والخروج عن الحاكم خروجا عنيفا…أو يفضي إلى السلبية, وقلة الفاعلية.

فما موقف الإسلام من التداول السلمي للسلطة:

أولاً: الإسلام لا يقر غصب السلطة, إنما تتوقف شرعية الحاكم على رضا الأمة واختيارها, وحتى القول بشرعية السلطان المتغلب إنما يستند إلى هذا الرضا, وإن لم يكن صريحا.

وهو شرع أحكاما؛ لتكون ضمانات لالتزام الحاكم بالدستور, وما عاهد عليه الله والناس, فإن لم يف بها؛ يحاسب ويُقَوَّم في الدنيا, وحساب الله أشد.

وهو لم يجعل صلاحيات الحاكم مطلقة؛ فليس الإسلام بالحكم الثيوقراطي, ولا الإمام ظل الله في الأرض.

فالإسلام وأحكامه قاضية على الرعية, أو المواطنين, والراعي أو الحاكم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} [النساء: 59]، وهي واضحة الدلالة في أن مرجعية الحاكم والمحكوم إلى الكتاب والسنة, قال الطبري في تفسيرها: "فإن اختلفتم أيها المؤمنون في شيء من أمر دينكم أنتم فيما بينكم, أو أنتم وولاة أمركم فاشتجرتم فيه , {فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ} يعني بذلك: فارتادوا معرفة حكم الذي اشتجرتم أنتم بينكم, أو أنتم وأولوا أمركم من عند الله, يعني بذلك: من كتاب الله , فاتبعوا ما وجدتم. وأما قوله: {وَالرَّسُولِ} فإنه يقول: فإن لم تجدوا إلى علم ذلك في كتاب الله سبيلا, فارتادوا معرفة ذلك أيضا من عند الرسول إن كان حياً, وإن كان ميتا فمن سنته".

والحكم الإسلامي في عصر دولة الراشدين واضح القسمات في الوقوف على رأي الأمة, وإن اختلفت أشكال هذا الوقوف, وما كان يتولى الحاكم الخلافة, أو الإمامة, إلا بالرضا والاختيار.

ثانياً: الإسلام لا يسمح بأن تصل إلى سلطانه أحزاب لا تؤمن بالإسلام ولا تعترف بدستوره.

قال الشيخ القرضاوي في بحث له بعنوان: "الدين والسياسة.. تأصيل وردّ شبهات"، إذ حدد فيه الشيخ المفاهيم المتصلة, ومنها: مفهوم الدين، ومفهوم السياسة، ثم عرض مشكلة العلاقة بين الدين والسياسة, كما هي متداولة بين الإسلاميين الذين يسعون إلى عدم الفصل بينهما بعقيدة الشمول في الإسلام، وبين العلمانيين الذين يسعون إلى الفصل بينهما، ثم بيّن انبناء الدولة في الإسلام على الدين، محتجا بالنصوص القطعية، وبالسيرة التاريخية، وبالمصلحة الناشئة من ذلك عمليا متمثلة في حشد قوى الأمة، ودفعها إلى الإنجاز الحضاري… فموقف الإسلام الرافض من القبول بمرجعية للدولة غير الدين, ولو مرة, محسومة واضحة.

لماذا رفض البعض التداول السلمي للسلطة؟

1- لأن المبدأ الديمقراطي في التداول "مبدأ ديمقراطي لا يمكن وفقه لأي حزب سياسي أن يبقى في السلطة إلى ما لا نهاية, و يجب أن يعوض بتيار سياسي آخر". وهذا فيه إشكال لإيجاد المناكفات السياسية وتتبع الأخطاء والزلات.

2- ولأنه يشترط في التداول: التعددية الحزبية, فالديمقراطية تسمح بالتداول على السلطة بضوابط أيضا تنسجم وفكرتها عن الحياة, ووجهة نظرها, وقيمها, ولا تسمح للأحزاب التي لا تؤمن بها وبدساتيرها وقيمها أن تتداول على الحكم.

3- لأن الحكم للأغلبية دون النظر لموافقتها للحق أو مخالفته,وفي ذلك يعني إقراراً ضمنيا بتحييد دين الأمة عنها, وتعويم هويتها؛ لتصبح بلا مرجعية للدين, تحكمها مرجعية الأغلبية المستندة إلى الآليات الديمقراطية, والقواعد الدستورية والقانونية الغربية.

4- ولأنه بالنظر إلى التاريخ الإسلامي، نجد أن الدولة الإسلامية لم تطبق تداول السلطة اختياريًّا في عهود أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، لأن مدد تولي كلٍّ منهم رضي الله عنهم كانت قصيرة، ولأن كلًّا منهم قام بشروط الإمامة، ووفاها حقوقها، فلم تكن ثمة فرصة لتداول السلطة اختياريًّا في عهودهم.ثم تحول الأمر إلى الأمويين والعباسيين والعثمانيين، فلم يكن كذلك ثمة تداول للسلطة، وكانت النظم العالمية كلها على هذا النحو، فلم تكن الدولة الإسلامية بدعًا في هذا.

وجه القبول للتداول السلمي للسلطة:

الاعتبارات التالية:

1- أن الإمامة في الأصل عقد من العقود طرفاه الإمام والأمة، فعلى الإمام واجب وهو حراسة الدين وسياسة الدنيا به، وعلى الأمة واجب الطاعة والنصرة، فما الذي يمنع إذًا من أن يدرج في عقد الإمامة شرط تقييدها بمدة زمنية معينة، طالما أن هذا الشرط لا يتصادم مع نصوص الشريعة، لاسيما والحاجة ماسة في هذه الإعصار إلى مثل هذا الشرط، بعد أن ضعف وازع الدين عند أكثر الحكام، وجنحوا إلى الاستبداد، وصادروا حق الأمة في رقابة الحكام ومحاسبتهم.

2- أن مبدأ تقييد البيعة عمومًا ليس بالأمر الغريب على قواعد السياسة الشرعية، فها هم الأنصار رضي الله عنهم يبايعون النبي صلى الله عليه وسلم في بيعة العقبة الثانية بيعة مقيدة؛ فقد بايعوه على أن يمنعوه مما يمنعون منه نساءهم وأبناءهم، ولكن بقيد واحد وهو أن يكون داخل حدود المدينة.

3- أنه قد ثبت بالأدلة الشرعية أن الأمة هي مصدر اختيار ومحاسبة السلطات في الدولة المسلمة، فإذا كان الحق في السلطة ابتداء هو لجماعة المسلمين والإمام نائب عنها بإرادتها في ممارسة السلطة تحقيقًا لمصالح المسلمين؛ فإن ذلك يعني أن للأمة أن تمكِّن الإمام من هذه السلطة، سواء أكانت مطلقة أو مقيدة بحسب ما يترجح لديها من المصلحة.

هذا ومن الجدير بالذكر أنه إذا جاز ذلك في حق الإمام الأكبر وهو خليفة المسلمين والحاكم العام للأمة الإسلامية؛ فجواز ذلك في حق من دونه من حكام الدول الإسلامية أولى، فالأمر فيه أيسر بكثير منه في حال خليفة المسلمين.

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
مفهوم الدولة المدنية، مقوماتها، والموقف الشرعي منها
الثلاثاء 4 محرم 1433هـ الموافق:29 نوفمبر 2011م01:11:40 بتوقيت مكة
الاخوان علمانيون 
الاخوان المسلمين علمانيون ويتعاملون بمبدا الغاية تبرر الوسيلة والله المستعان
 

* تنبيهات هامة:

1.    يتم قبول التعليقات المكتوبة باللغة العربية فقط.

2.    أي تعليق يحتوي تجريح او إساءة إلى شخص لن يتم نشره.

3.    أقصى حد لقبول التعليق لا يتجاوز 800 حرف.

4.    الالتزام بالموضوعية والجدية في التعليق.

5.    لن يتم اعتماد اي تعليق يخرج عن اطار الموضوع.

6.    الاستفسارات والطلبات والاقتراحات يمكن إرسالها على بريد الموقع، وسيتم تجاهل الرد عليها في التعليقات.

الاسم:  
البريد الإلكتروني: 
نص التعليق: 
 
   Refresh