الشيخ صالح صواب

الشيخ عيسى بن معافا شريف

الشيخ أنور الخضري

الشيخ محمد الحاشدي

الشيخ أحمد بن حسن المعلم

الشيخ أكرم مبارك عصبان

الشيخ عبد المجيد بن عزيز الزنداني

الشيخ عبدالله بن فيصل الأهدل

الشيخ عقيل بن محمد بن زيد المقطري

الشيخ علي بن محمد عبد الله بارويس

الشيخ محمد بن موسى العامري

الشيخ مراد بن أحمد العسيري القدسي

الشيخ ناصر العاهمي

الشيخ إسماعيل بن عبدالباري

الشيخ صالح الظبياني

الشيخ صالح باكرمان

الشيخ خالد بن محمد الصادقي

الشيخ صالح بن مبارك دعكيك

الشيخ عبد الله بن محمد الحاشدي

الشيخ عبد المجيد بن محمود الريمي

الشيخ عبد الوهاب بن لطف الديلمي

الشيخ عبد الوهاب بن محمد الحميقاني

الشيخ علي بن محمد مقبول الأهدل

الشيخ كمال بن عبد القادر با مخرمة

الشيخ محمد الصادق مغلس

الشيخ محمد بن إسماعيل العمراني

الشيخ أحمد بن عبد الله القاضي

الشيخ أمين بن عبد الله جعفر

الشيخ عبد السلام بن مقبل المجيدي

الشيخ محمد بن علي الوادعي

الشيخ محمد بن ناصر الحزمي

الشيخ نادر بن سعد العمري

الشيخ أحمد بن علي معوضة

الشيخ أحمد بن محمد المصباحي

الشيخ خالد بن محمد الوصابي

الشيخ حسين بن علي الزومي

الشيخ عبد الرحمن بن سعيد البريهي

الشيخ عبد الرحمن علي العرومي

الشيخ عبد الله بن محمد اليزيدي

الشيخ علي بن محمد المطري الأعروقي

الشيخ عوض بن محمد بانجار

الشيخ ناظم عبد الله باحبارة

الشيخ عبد الله بن غالب الحميري

الشيخ أحمد بن علي برعود

الشيخ حسن بن محمد شبالة

  
  
 
 
19332374
 
 
 
 
صفحات العلماء والدعاة
   
الشيخ حسن بن محمد شبالة
   
بحوث ومؤلفات
   
الإحسان مفهومه وأنواعه وصوره في ضوء القرآن والسنة
الشيخ/ حسن بن محمد شبالة
الأحد 1 أبريل 2012

أولاً: ثمرات الإحسان وفوائده في الدنيا

1- مجازات الله للمحسنين بسب إحسانهم:

حيث جاء التعقيب بقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} [الأنعام:84] ولم يقل العاملين مما يشعر بأن الجزاء إنما هو على الإحسان في العمل لا على مجرد العمل فقط، وأن الغاية من التكليف إنما هي الإحسان في العمل(1)، وقد تكرر التعقيب بقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} [الأنعام:84] بعد ذكر مجموعة من الأنبياء والرسل وكذلك بعد ذكر المتقين، فمن ذلك:

قوله تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحاً هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} [الأنعام:84] وكذلك كما أصلحنا ذرية إبراهيم الخليل لأنه أحسن في عبادة ربه وأحسن في نفع الخلق كذلك نجزي المحسنين بأن نجعل لهم من الثناء الصدق والذرية الصالحة بحسب إحسانهم(2).

وقوله تعالى: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} [يوسف:22] وكما جزيت يوسف فآتيته بطاعته إياي الحكم والعلم ومكنته في الأرض واستنقذته من أيدي إخوته الذين أرادوا قتله كذلك نجزي من أحسن في عمله فأطاعني في أمري وانتهى عما نهيته عنه من معاصي، وهذا وإن كان مخرج ظاهره على كل محسن فإن المراد به محمد نبي الله صلى الله عليه وسلم يقول له عز وجل كما فعلت هذا بيوسف من بعد ما لقي من إخوته ما لقي وقاسى من البلاء ما قاسى فمكنته في الأرض ووطأت له في البلاد فكذلك أفعل بك فأنجيك من مشركي قومك الذين يقصدونك بالعداوة وأمكن لك في الأرض وآتيتك الحكم والعلم لأن ذلك جزائي أهل الإحسان في أمري ونهيي(3)، وكذلك أي مثل ذلك الجزاء العجيب؛ نجزي المحسنين، أي كل من يحسن في عمله فيجب أن يكون ذلك بعد انقضاء أعماله الحسنة التي من جملتها معاناة الأحزان والشدائد(4).

وقوله تعالى: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} [القصص: 14] وكذلك نجزي المحسنين في عبادة الله المحسنين لخلق الله نعطيهم علما وحكما بحسب إحسانهم ودل هذا على كمال إحسان موسى عليه السلام(5).

وقوله تعالى: {سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} [الصافات:79-80]، قوله تعالى: {سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ} [الصافات:79] مفسر لما أبقى عليه من الذكر الجميل والثناء الحسن أنه يسلم عليه في جميع الطوائف والأمم {إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} [الصافات:79] أي: هكذا نجزي من أحسن من العباد في طاعة الله تعالى نجعل له لسان صدق يذكر بعده بحسب مرتبته في ذلك(6).

وقوله تعالى: {وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} [الصافات: 104-105]، والمعنى: إنا كما عفونا عن إبراهيم عن ذبح ولده؛ نجزي من أحسن في طاعتنا، و قال مقاتل: جزاه الله بإحسانه في طاعته العفو عن ذبح ابنه(7).

وقوله تعالى: {سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} [الصافات:120-121] قوله تعالى: {إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} [الصافات:121]، يقول: كما جزينا إبراهيم على طاعته إيانا وإحسانه في الانتهاء إلى أمرنا كذلك نجزي المحسنين، إنه من عبادنا المؤمنين يقول: إن إبراهيم من عبادنا المخلصين لنا الإيمان(8).

وقوله تعالى: {سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} [الصافات: 130-131] يقول تعالى ذكره إنا هكذا نجزي أهل طاعتنا والمحسنين أعمالاً وقوله: {إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ} [الصافات:111]، يقول: إن إلياس عبد من عبادنا الذين آمنوا فوحدونا وأطاعونا ولم يشركوا بنا شيئاً(9).

وقوله تعالى: {كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنينَ} [المرسلات:43-44]، وقوله: {إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنينَ} [المرسلات:44]، يقول: إنا كما جزينا هؤلاء المتقين بما وصفنا من الجزاء على طاعتهم إيانا في الدنيا، كذلك نجزي ونثيب أهل الإحسان في طاعتهم إيانا وعبادتهم لنا في الدنيا على إحسانهم لا نضيع في الآخرة أجرهم(10).

{كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [المرسلات:43] أي: يقال لهم ذلك على سبيل الإحسان إليهم، ثم قال تعالى مخبراً خبراً مستأنفاً: {إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنينَ} [المرسلات:44] أي: هذا جزاؤنا لمن أحسن العمل(11).

2- التنصيص على نوع خاص من الإحسان لبعض أنبيائه بسبب إحسانهم:

أ) إحسان الله إلى إبراهيم عليه السلام:

قال تعالى: {وَآتَيْنَاهُ فِي الْدُّنْيَا حَسَنَةً} [النحل:122]، آتيناه على قنوته لله وشكره له على نعمه، وإخلاصه العبادة له في هذه الدنيا ذكراً حسناً وثناءً جميلاً باقياً على الأيام(12)، وقال ابن كثير: جمعنا له خير الدنيا من جميع ما يحتاج المؤمن إليه في إكمال حياته الطيبة(13).

ب) إحسان الله إلى يوسف عليه السلام:

قال تعالى: {وَقَدْ أَحْسَنَ بي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ} [يوسف:100]، أي: أوقع إحسانه بي تصديقاً لما بشرني به من تمام النعمة، وتعديه أحسن بالباء أدل على القرب من التعدية بإلى، وقيل: ضمن معنى اللطف، فتعدى بالباء كقوله تعالى: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [الإسراء:23](14).

ج) إحسان الله إلى موسى:

قال تعالى: {ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَاماً عَلَى الَّذِيَ أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُم بِلِقَاء رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ} [الأنعام:154]، وقد وردت عدة أقوال في معنى الآية(15)، أولى هذه الأقوال بالصواب عند ابن جرير هو قول من قال: معناه: ثم آتينا موسى الكتاب تماماً بنعمنا عنده على الذي أحسن موسى في قيامه بأمرنا ونهينا لأن ذلك أظهر معاتبة في الكلام وإن آتينا موسى كتابه نعمة من الله عليه ومنة عظيمة فأخبر جل ثناؤه، أنه أنعم بذلك عليه لما سلف له من صالح عمل وحسن طاعة(16).

3- استماع الله سبحانه إلى من حسن صوته بقراءة القرآن:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به»(17)، وعن فضالة بن عبيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لله أشد أذناً إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن يجهر به من صاحب القينة إلى قينته»(18).

والقينة الأمة، غنت أو لم تغن، والماشطة وكثيرا ما يطلق على المغنية في الإماء وجمعها قينات(19)، وأذن: بكسر الذال، قال العلماء: معنى أذن الله: الاستماع، ومنه قوله تعالى: {وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ} [الانشقاق:2](20).

وعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حسنوا القرآن بأصواتكم، فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسناً»(21) والمراد بقوله: حسنوا أصواتكم، أي: زينوا أصواتكم بالترتيل، والجهر به وتحسين والصوت(22).

4- حب الله تعالى للمحسنين:

قال تعالى: {أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران:133-134]، يجوز أن تكون اللام للجنس، فيتناول كل محسن ويدخل تحته هؤلاء المذكورون، وأن تكون للعهد، فيكون إشارة إلى هؤلاء، واعلم أن الإحسان إلى الغير: إما أن يكون بإيصال النفع إليه أو بدفع الضرر عنه، أما إيصال النفع إليه فهو المراد بقوله: {الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء} [آل عمران:134]، ويدخل فيه إنفاق العلم وذلك بأن يشتغل بتعليم الجاهلين وهداية الضالين ويدخل فيه إنفاق المال في وجوه الخيرات والعبادات وأما دفع الضرر عن الغير فهو إما في الدنيا وهو أن لا يشتغل بمقابلة تلك الإساءة بإساءة أخرى، وهو المراد بكظم الغيظ، وإما في الآخرة وهو أن يبرئ ذمته عن التبعات والمطالبات في الآخرة، وهو المراد بقوله تعالى: {وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ} [آل عمران:134]، فصارت هذه الآية من هذا الوجه دالة على جميع جهات الإحسان إلى الغير، لما كانت هذه الأمور الثلاثة في كونها إحساناً إلى الغير ذكر ثوابها فقال: {وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران:134]، فإن محبة الله للعبد أعم درجات الثواب(23).

وتكرر ذكر محبة الله للمحسنين في خمسة مواطن، قال تعالى: {وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة:95]، وقال تعالى: {وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران:134]، وقال تعالى: {وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران:148]، قال تعالى: {وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [المائدة:13]، وقال تعالى: {وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [المائدة:93].

5- معية الله الخاصة للمحسنين:

قال تعالى: {وإنَّ اللّهَ لمَعَ ُ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت:69]، وقال تعالى: {إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون} [النحل: 128]، أي: وهو سبحانه معهم بالنصرة والمعونة والحفظ والهداية ومع الجميع بالإحاطة والقدرة فبين المعيتين بون(24).

6- قرب رحمة الله من المحسنين:

قال تعالى: {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف:56]، فقوله تعالى: {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا} [الأعراف:56]، ينهى تعالى عن الإفساد في الأرض، وما أضره بعد الإصلاح، فإنه إذا كانت الأمور ماشية على السداد، ثم وقع الإفساد بعد ذلك كان أضر ما يكون على العباد، فنهى تعالى عن ذلك وأمر بعبادته ودعائه والتضرع إليه والتذلل لديه فقال: {وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً} [الأعراف:56] أي: خوفاً مما عنده ومن وبيل العقاب وطمعاً فيما عنده من جزيل الثواب، ثم قال: {إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف:56] قال: قريب ولم يقل قريبة، لأنه ضمن الرحمة معنى الثواب؛ لأنها مضافة إلى الله فلهذا قال قريب من المحسنين(25)، أي: إن رحمته مرصدة للمحسنين الذين يتبعون أوامره ويتركون زواجره كما قال تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَـاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ} [الأعراف:156](26).

وقوله تعالى: {إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف:56] له دلالة بمنطوقه ودلالة بإيمائه وتعليله، ودلالة بمفهومه، فدلالته بمنطوقه على قرب الرحمة من أهل الإحسان، ودلالته بإيمانه وتعليله على أن هذا القرب مستحق بالإحسان هو السبب في قرب الرحمة منهم، ودلالته بمفهومه على بعده من غير المحسنين، هذه ثلاث دلالات لهذه الجملة، وإنما اختص أهل الإحسان بقرب الرحمة، لأنها إحسان من الله عز وجل أرحم الراحمين، وإحسانه تبارك وتعالى إنما يكون لأهل الإحسان، لأن الجزاء من جنس العمل، وكلما أحسنوا بأعمالهم؛أحسن إليهم برحمته وأما من لم يكن من أهل الإحسان؛ فإنه لما بعد عن الإحسان بعدت عنه الرحمة، بعد ببعد، وقرب بقرب، فمن تقرب إليه بالإحسان، تقرب الله إليه برحمته، ومن تباعد عن الإحسان تباعد الله عنه برحمته، والله سبحانه يحب المحسنين، ويبغض من ليس من المحسنين، ومن أحبه الله فرحمته أقرب شيء منه، ومن أبغضه الله فرحمته أبعد(27).

وحاصل ما ذكر الله من آداب الدعاء الإخلاص فيه لله وحده، لأن ذلك يتضمنه الخفية وإخفاؤه وإسراره أن يكون القلب خائفاً طامعاً لا غافلاً ولا آمناً، ولا غير مبال بالإجابة وهذا من إحسان الدعاء، فإن الإحسان في كل عبادة بذل الجهد فيها وأداؤها كاملةً، لا نقص فيها بوجه من الوجوه ولهذا قال: {إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف:56] في عبادة الله المحسنين إلى عباد الله فكلما كان العبد أكثر إحسانا كان أقرب إلى رحمة ربه، وكان ربه قريباً منه برحمته وفي هذا من الحث على الإحسان ما لا يخفى(28).

7- الإحسان يقلب العدو إلى ولي حميم:

قال تعالى: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت:34]، ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن يعنى إن الحسنة والسيئة متفاوتتان في أنفسهما فخذ بالحسنة التي هي أحسن من أختها إذا اعترضتك حسنتان فادفع بها، والسيئة التي ترد عليك من بعض أعدائك كما لو أساء إليك رجل إساءة فالحسنة إن تعفو عنه والتي هي أحسن إن تحسن إليه مكان إساءته إليك مثل إن يذمك فتمدحه، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم فانك إذا فعلت ذلك انقلب عدوك المشاق مثل الولي الحميم مصافاة لك، وكان القياس على هذا التفسير إن يقال: ادفع بالتي هي حسنة، ولكن وضع التي هي أحسن موضع الحسنة ليكون ابلغ في الدفع بالحسنة لان من دفع بالحسنى هان عليه الدفع بما دونها(29).

8- الإحسان سبب للبشرى في الدنيا:

قال تعالى: {وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَاماً وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ لِّسَاناً عَرَبِيّاً لِّيُنذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ} [الأحقاف:12].

قوله: لينذر الذين ظلموا، يقول: لينذر هذا الكتاب الذي أنزلناه إلى محمد عليه الصلاة والسلام الذين ظلموا أنفسهم بكفرهم بالله بعبادتهم غيره، وقوله: وبشرى للمحسنين، يقول: وهو بشرى للذين أطاعوا الله فأحسنوا في إيمانهم، وطاعتهم إياه في الدنيا فحسن الجزاء من الله لهم في الآخرة على طاعتهم إياه(30).

ثانياً: ثمرات الإحسان وفوائده في الآخرة

1- الوعد من الله بعدم ضياع أجر المحسن:

قال تعالى: {ولا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف: 56]، وقال تعالى: {إِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف:90]، وقال تعالى: {فإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [هود:115].

وإحسان العمل أن يريد العبد به وجه الله عز وجل متبعاً في ذلك شرع الله، فهذا العمل لا يضيعه الله، ولا شيئاً منه بل يحفظه للعاملين، ويوفيهم من الأجر بحسب عملهم وفضله وإحسانه(31)، ويجازيه بطاعته وعمله الحسن جنات عدن تجري من تحتها الأنهار(32).

2- حصول الأجر العظيم من الله للمحسن:

قال تعالى: {للَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَاتَّقَواْ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [آل عمران:172]، وقال عز وجل: {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ} [البقرة:112].

3- دخول الجنة ورؤية الله تعالى:

قال تعالى: {للَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [يونس:26]، أي للذين أحسنوا العمل في الدنيا الحسنى وهي الجنة وزيادة وهي النظر إلى وجه الله الكريم هذا قول جماعة من الصحابة منهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه وحذيفة وأبو موسى وعبادة بن الصامت رضي الله عنهم وهو قول الحسن وعكرمة وعطاء ومقاتل والضحاك والسدي(33)، وقد ثبت تفسيرها بذلك من حديث صُهَيْبٍ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا دخل أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ قال يقول الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى تُرِيدُونَ شيئا أَزِيدُكُمْ فَيَقُولُونَ أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ وتنجينا من النَّارِ قال فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ فما أُعْطُوا شيئا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ من النَّظَرِ إلى رَبِّهِمْ عز وجل»، وفي رواية: «ثُمَّ تَلَا هذه الْآيَةَ: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} [يونس:26](34)، وقوله تعالى: {آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ} [الذاريات:16]».

وقال جماعة من المفسرين: معنى قوله آخذين ما آتاهم ربهم، أي: محصلين لنعم الله التي أعطاهم من جنته ورضوانه، وهذه حال متصلة في المعنى بكونهم في الجنات، وهذا التأويل أرجح عندي لاستقامة الكلام به وقوله: قبل ذلك، يريد في الدنيا محسنين؛ بالطاعة والعمل الصالح(35).

4- زيادة الله في الثواب للمحسنين:

قال تعالى: {وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة:58]، وقال تعالى: {سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف: 161] أي: ثواباً من فضلنا(36).

5- تكفير السيئات، قال تعالى: {وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ * لهُم مَّا يَشَاؤُونَ عِندَ رَبِّهِمْ وذلك جزاء الْمُحْسِنِينَ لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الزمر:33-35]، جزى هؤلاء المحسنين ربهم بإحسانهم، كي يكفر عنهم أسوأ الذي عملوا في الدنيا من الأعمال فيما بينهم وبين ربهم، بما كان منهم فيها من توبة وإنابة، مما اجترحوا من السيئات فيها، ويجزيهم أجرهم أي: ويثيبهم ثوابهم بأحسن الذي كانوا في الدنيا يعملون مما يرضى الله عنهم دون أسوئها(37) فيكفر عنهم السيئات، ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون، أي بأحسن أجور أعمالهم يضاعف الحسنات إلى عشرة أضعاف إلى سبعمائة ضعف إلى ما شاء الله، والله أعلم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) انظر: أضواء البيان 8/ 404.

(2) انظر: تفسير السعدي 1/ 263.

(3) انظر: تفسير الطبري 12/ 178.

(4) انظر: تفسير أبي السعود: 4/ 364.

(5) انظر: تفسير السعدي ج1/ ص263.

(6) انظر: تفسير ابن كثير: 4/ 13.

(7) انظر: معالم التنزيل: 4/ 34.

(8) انظر: تفسير الطبري 23/ 88.

(9) انظر: تفسير الطبري 23/ 96.

(10) انظر: تفسير الطبري 29/ 244.

(11) انظر: تفسير ابن كثر 4/ 462.

(12) انظر: تفسير الطبري: (14/ 397).

(13) انظر: تفسير ابن كثير: (8/ 366).

(14) انظر: البحر المحيط (6/ 328)، والسراج المنير (3/ 200)، وروح المعاني (13/ 59) و التحرير والتنوير (13/ 57).

(15) انظر: زاد المسير (3/ 118).

(16) انظر: تفسير الطبري: (9/ 677).

(17) أخرجه: مسلم (1/ 457) برقم (792) كتاب صلاة المسافرين.

(18) أخرجه: ابن ماجه (1/ 340) برقم (1340) كتاب إقامة الصلاة.

(19) انظر: النهاية في غريب الأثر 4/ 135.

(20) انظر: شرح مسلم للنووي: 6/ 78.

(21) سبق تخريجه، بهامش رقم 53، وإسناده صحيح.

(22) انظر شرح المشكاة للطيبي: ( 4/ 346)، ومرقاة المفاتيح للقاري (4/ 707).

(23) انظر التفسير الكبير للرازي: (9/ 8).

(24) انظر: تفسير القرطبي 13/ 365.

(25) انظر: تفسير ابن كثير 2/ 223.

(26) انظر: المصدر السابق 2/ 223.

(27) انظر: تفسير النسفي 4/ 90 دار الكتب العلمية، بيروت.

(28) انظر: تفسير السعدي (1/ 292).

(29) انظر: المصدر السابق، نفس الصفحة.

(30) انظر: تفسير الطبري 26/ 14.

(31) انظر: تفسير السعدي (3/ 155).

(32) انظر: تفسير الطبري (15/ 254)، وابن كثير (9/ 134).

(33) انظر: معالم التنزيل: 2/ 351.

(34) أخرجه: مسلم 1/ 163برقم 180-181.

(35) انظر: المحرر الوجيز 5/ 174.

(36) انظر: معالم التنزيل (1/ 44).

(37) انظر: تفسير الطبري 24/ 5.

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
الإحسان مفهومه وأنواعه وصوره في ضوء القرآن والسنة - المبحث الثالث ثمرات الإحسان وفوائده

* تنبيهات هامة:

1.    يتم قبول التعليقات المكتوبة باللغة العربية فقط.

2.    أي تعليق يحتوي تجريح او إساءة إلى شخص لن يتم نشره.

3.    أقصى حد لقبول التعليق لا يتجاوز 800 حرف.

4.    الالتزام بالموضوعية والجدية في التعليق.

5.    لن يتم اعتماد اي تعليق يخرج عن اطار الموضوع.

6.    الاستفسارات والطلبات والاقتراحات يمكن إرسالها على بريد الموقع، وسيتم تجاهل الرد عليها في التعليقات.

الاسم:  
البريد الإلكتروني: 
نص التعليق: 
 
   Refresh