الشيخ صالح صواب

الشيخ عيسى بن معافا شريف

الشيخ أنور الخضري

الشيخ محمد الحاشدي

الشيخ أحمد بن حسن المعلم

الشيخ أكرم مبارك عصبان

الشيخ عبد المجيد بن عزيز الزنداني

الشيخ عبدالله بن فيصل الأهدل

الشيخ عقيل بن محمد بن زيد المقطري

الشيخ علي بن محمد عبد الله بارويس

الشيخ محمد بن موسى العامري

الشيخ مراد بن أحمد العسيري القدسي

الشيخ ناصر العاهمي

الشيخ إسماعيل بن عبدالباري

الشيخ صالح الظبياني

الشيخ صالح باكرمان

الشيخ خالد بن محمد الصادقي

الشيخ صالح بن مبارك دعكيك

الشيخ عبد الله بن محمد الحاشدي

الشيخ عبد المجيد بن محمود الريمي

الشيخ عبد الوهاب بن لطف الديلمي

الشيخ عبد الوهاب بن محمد الحميقاني

الشيخ علي بن محمد مقبول الأهدل

الشيخ كمال بن عبد القادر با مخرمة

الشيخ محمد الصادق مغلس

الشيخ محمد بن إسماعيل العمراني

الشيخ أحمد بن عبد الله القاضي

الشيخ أمين بن عبد الله جعفر

الشيخ عبد السلام بن مقبل المجيدي

الشيخ محمد بن علي الوادعي

الشيخ محمد بن ناصر الحزمي

الشيخ نادر بن سعد العمري

الشيخ أحمد بن علي معوضة

الشيخ أحمد بن محمد المصباحي

الشيخ خالد بن محمد الوصابي

الشيخ حسين بن علي الزومي

الشيخ عبد الرحمن بن سعيد البريهي

الشيخ عبد الرحمن علي العرومي

الشيخ عبد الله بن محمد اليزيدي

الشيخ علي بن محمد المطري الأعروقي

الشيخ عوض بن محمد بانجار

الشيخ ناظم عبد الله باحبارة

الشيخ عبد الله بن غالب الحميري

الشيخ أحمد بن علي برعود

الشيخ حسن بن محمد شبالة

  
  
 
 
19013754
 
 
 
 
الشيخ/ حيدر بن أحمد الصافح
الثلاثاء 31 يناير 2012

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} [آل عمران:102]، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء:1] والصلاة والسلام على سيدنا محمد أشرف الأنبياء والمرسلين، الذي بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته. وبعد:

ما أحوج الأمة الإسلامية اليوم إلى الأخذ بالقواعد والأسس التي أرسى دعائمها محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم في بناء وإقامة المجتمع والأمة والدولة, فما أن استقر رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة بعد الهجرة حتى أخذ في بناء المجتمع الجديد الذي تعلو فيه كلمة الله تعالى، ويسري فيه الهدي النبوي تربية وسلوكاً وطاعة وحباً.

فكان أول شيء بدأ فيه هو بناء المسجد الذي كانت تؤدى فيه الصلاة ويدرس فيه العلم، وتعقد فيه الرايات وتناقش في حرمه الأزمات، ويأوي إليه المسلمون إذا حز بهم أمر.

إن النهوض برسالة المسجد مقياس لحرارة الإيمان لدى الفرد وتعبير عن الارتباط العضوي بجماعة المسلمين.

وكانت الخطوة الثانية بعد بناء المسجد هي المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، كان المهاجرون قد تركوا بلدهم تاركين الأهل والولد والدور والقصور والمال مجردين من كل شيء إلا من الإيمان.

ولا شك أن هذا قد ترك في أنفسهم وحشة وغربة، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة آخى بين أصحابه ليذهب عنهم تلك الوحشة ويؤنسهم وليشد بعضهم أزر بعض وليرسي للأمة الإسلامية قاعدة مهمة في حياتها إنها قاعدة الحب والأخوة التي يقوم عليها المجتمع الإسلامي السليم، حتى شبهه الرسول صلى الله عليه وسلم بالجسد الواحد فقال صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر»( 1).

إن أي دولة لا يمكن أن تنهض وتقوم إلا على أساس من وحدة الأمة وتساندها وتعاونها، ولا يتحقق ذلك إلا بالتآخي والمحبة المتبادلة.

على أن التآخي لابد أن يكون مسبوقاً بعقيدة يتم اللقاء عليها والإيمان بها. ولذلك رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل أساس الأُخوة التي جمع عليها أصحابه هي العقيدة الإسلامية التي جاءهم بها من عند الله والتي تضع الناس كلهم في مصاف العبودية الخالصة لله تعالى دون اعتبار لأي فارق إلا فارق التقوى والإيمان والعمل الصالح. إذ من المستحيل أن يسود الحب والإخاء والتعاون والإيثار بين أناس شتتهم العقائد والتصورات والأفكار المختلفة والمتباينة كما هو حال أمتنا اليوم في سوادها الأعظم.

إن الأخوة التي عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه لم تكن مجرد شعار، وإنما كانت حقيقة عملية تتصل بواقع الحياة في كافة جوانبها. لقد جعل صلى الله عليه وسلم تلك الأخوة مسؤولية حقيقية تترجم في الواقع أقوالاً وأعمالاً وسلوكاً، ولقد ضرب الأنصار رضي الله عنهم أروع الأمثلة في ميدان النصرة والكرم والمواساة والإيثار.

وإليكم نماذج من ذلك الذي وقع في عالم الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.

إننا حينما نتأمل فيما قام به الأنصار رضي الله عنهم تجاه النبي صلى الله عليه وسلم والمهاجرين لنتعجب مما فعله هؤلاء القوم، ولو ذهبنا نلتمس الأسباب، فلن نجد إلا مسبب الأسباب وهو أن ذلك كان بفضل الله ورحمته لا بصنع بشر وحكمته وسياسته وصدق الله حيث قال: {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال:63].

فلم يلتق النبي صلى الله عليه وسلم بالأنصار إلا في سويعات تحت جنح الليل واكتفى فيها بعرض الإسلام، وأخذ العهود والمواثيق، ولم يطل لقاؤه معهم قبل الهجرة حتى يكون هذا الذي فعلوه بسبب تربية النبي إياهم، وطول تعهده لهم كما فعل تجاه المهاجرين حتى كون منهم رجالاً. لم يكن بين دخول الأنصار الإسلام وقيامهم بهذه المآثر إلا أقل من عام. إنهم قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، لقد فتحوا للمهاجرين قلوبهم قبل أن يفتحوا لهم بيوتهم، ووسعوهم بصدورهم قبل أن يسعوهم بأموالهم، وتسابقوا إلى لقائهم وإكرامهم وضربوا في باب الإيثار، وسخاء النفس، وكرم الطبع مثلاً عليا لا تزال تذكرها لهم الأجيال المتعاقبة، بالإكبار والإعظام.

روى البخاري في صحيحه عن عبد الرحمن بن عوف: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم آخى بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري -وكان كثير المال- فقال سعد قد علمت الأنصار أني من أكثرها مالاً، سأقسم مالي بيني وبينك شطرين، ولي امرأتان انظر أعجبها إليك، فأطلقها حتى إذا ما انتهت عدتها تزوجتها. فقال عبد الرحمن بن عوف بارك الله لك في أهلك ومالك، ولكن دلني على السوق، فدله على السوق، فباع وابتاع حتى صار له مال"( 2).

وهكذا ضرب سعد بن الربيع مثلاً فريداً في الكرم والإيثار وضرب عبد الرحمن بن عوف مثلاً عالياًُ في عزة النفس والرغبة في العمل والاكتساب، وقد فتحت له الدنيا بعد، حتى كان من أثرى الأثرياء. وما سعد بن الربيع إلا صورة مشرقة ومثالاً من أمثلة الأنصار الكرام. فقد ضربوا جميعهم أروع الأمثلة في ميدان الكرم والمواساة، حتى جاء المهاجرون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خائفين أن يكون ذلك مُذهباً لأجرهم، فقالوا: «يا رسول الله ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم أحسن مواساة في قليل، ولا أحسن بذلاً في كثير، لقد كفونا المؤنة وأشركونا في المهنأ، حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كله. قال: لا، ما أثنيتم عليهم، ودعوتم الله لهم»(3).

ومن صور إيثارهم رضوان الله عليهم ما رواه ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النضير للأنصار: «إن شئتم قسمتم للمهاجرين من أموالكم ودياركم، وتشاركونهم في هذه الغنيمة، وإن شئتم كانت لكم أموالكم ودياركم ولم نقسم لكم شيئاً من الغنيمة، فقال الأنصار: بل نقسم لهم من أموالنا وديارنا ونؤثرهم بالغنيمة ولا نشاركهم فيها»(4).

يا لها من نفوس أبية، ويا له من كرم وإيثار، ويا له من سخاء، لقد كان جزاؤهم من الله أن أنزل فيهم قرآناً يتلى إلى يوم الدين، ثناءً عليهم وبياناً لمنزلتهم ومكانتهم، قال سبحانه فيهم: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر:9].

إن البشرية في تاريخها الطويل لم تشهد حادثاً جماعياً كحادث استقبال الأنصار للمهاجرين، بهذا الحب الكريم، وبهذا البذل السخي، وذاك الإيثار العجيب مع طيب نفس وسماحة. لقد قام الأنصار الكرام رضوان الله عليهم بواجبات تلك الأخوة من التزامات واستمر أداؤهم كذلك. وظلت حقوق هذا الإخاء مقدمة على حقوق القرابة حيث كانوا يتوارثون فيما بينهم حتى وسع الله على المسلمين ونزلت الآية الكريمة: {وَأُوْلُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الأنفال:75]، فنسخ التوارث، وأقر المودة والحب بينهم.

أرسل عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى بلال رضي الله عنه وقد خرج إلى الشام فأقام بها مجاهداً، يسأله إلى من تجعل ديوانك يا بلال؟ قال مع أبي رويحة، لا أفارقه أبداً، للأخوة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عقد بيني وبينه.

لقد أثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم على موقف الأنصار من إخوانهم المهاجرين وبين مناقبهم وفضلهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار(5)، وجعل حبهم علامة الإيمان، وبغضهم علامة النفاق، فقال: «آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار»(6) وقال: «الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، فمن أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله»(7).

وما أجمل قول الله عز وجل في وصفهم: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ * وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر:9-10].

هذا حال القوم وهذه أخوتهم وأوصافهم فأين نحن منهم. فاعرفوا لهم قدرهم واسلكوا سبيلهم فإنهم كانوا على الحق المبين.

الأمة الإسلامية اليوم في حاجة إلى بناء جديد، إنها بحاجة إلى أن تعود إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم لتتعرف على أسس البناء وطريق النجاة للخروج من مآزقها وغثائيتها التي تعيشها، إنه لا سبيل لنا إلا بالإيمان العميق الصادق والرضا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً ونبيا والانقياد التام لله ورسوله ظاهراً وباطناً، هذا الإيمان هو الزاد والطاقة، التي تدفعنا إلى كل خير، وهو النور الذي يبدد عنا ظلمات الحياة وهو الدواء الناجح والبلسم النافع لآلامنا وجراحاتنا، إن الناس إذا لم يجتمعوا على الحق والإيمان فرقهم الباطل وإن البشر يظلون محكومين بطباعهم مهما بلغوا من الكمال، إن النزاع والاختلاف وإن الشقاق والخصام سيظل في الطبيعة البشرية ولن يكبح جماحه ويحد من شروره إلا عقيدة ربانية راسخة ثابتة كتلك التي ربى عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه الكرام.

الصحابة الكرام كان يقع بينهم ما يقع بين البشر ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم سرعان ما يعالج ما يقع بينهم، ويذكرهم برصيد الإيمان فيرعوون وينزجرون ويتعانقون ويتصافحون ويبكون.

يصدق فيهم قول القائل:

إذا احتربت يوماً فسالت دماؤها *** تذكرت القربى فسالت دموعها

ولنذكر مثالين على ذلك ودور اليهود في واحد منهما!! حتى ندرك مدى خطرهم، فقد مر شاس بن قيس اليهودي وكان شيخاً قد أسن عظيم الكفر شديد الحقد على المسلمين على نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من الأوس والخزرج في مجلس قد جمعهم يتحدثون فيه، فغاظه ما رأى من ألفتهم وجماعتهم وصلاح ذات بينهم على الإسلام، بعد الذي كان بينهم من الحرب والعداء في الجاهلية، فقال: قد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد، لا والله مالنا معهم إذا اجتمع ملوكهم بها من قرار. فأمر فتى شاباً من يهود كان معهم فقال: اعمد إليهم فاجلس معهم ثم اذكر يوم بعاث وما كان قبله وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه ففعل اليهودي، فتكلم القوم عند ذلك وتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحيين فقال أحدهما لصاحبه: إن شئتم رددناها الآن جذعة. فغضب الفريقان وقالوا قد فعلنا. موعدكم الظاهرة -الحرة- السلاح السلاح، فخرجوا إليها.

فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج إليهم فيمن معه من أصحابه المهاجرين حتى جاءهم فقال: «يا معشر المسلمين، الله! الله! أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن هداكم الله للإسلام وأكرمكم به، وقطع به عنكم أمر الجاهلية واستنقذكم من الكفر وألف بين قلوبكم»(8) فعرف القوم أنها نزعة من الشيطان وكيد من عدوهم وعانق الرجال الأوس والخزرج بعضهم بعضاً. ثم انصرفوا مع رسول الله سامعين مطيعين، قد أطفأ الله كيد عدوهم، ونزل في هذه الحادثة آيات تتلى إلى يوم القيامة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ * وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [آل عمرآن:100-101].

المثال الآخر حين قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم الغنائم على الناس في غزوة حنين وأجزل العطاء لبعض المؤلفة قلوبهم ليسلموا ويصدقوا في إسلامهم، وإذا كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما يبرر فعله، فقد خفيت الحكمة من ذلك على الناس وانطلقت الكلمات تعبر عن العتب فقد أعطى صلى الله عليه وسلم قريشاً والمؤلفة قلوبهم وغيرهم من سائر العرب ولم يعط للأنصار، وجد بعض الأحداث منهم في نفسهم وقالوا يغفر الله لرسول الله يعطي قريشاً ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم؟! وما أن سمع صلى الله عليه وسلم بمقالتهم حتى أمر بجمعهم وحدهم ليتحدث إليهم شارحاً لهم الأسباب والحكمة، ويوضح ما خفي عليهم أنه الحديث الخاص، ولذا قال قبل بدء حديثه: «فيكم أحد من غيركم؟» قالوا لا إلا ابن اختنا, قال: «ابن أخت القوم منهم». ثم قال: «ما حديث بلغني عنكم؟» فقال فقهاء الأنصار وكبارهم: أما رؤساؤنا يا رسول الله فلم يقولوا شيئاً وأما ناس منا حديثة أسنانهم فقالوا يغفر الله لرسول الله، ثم قال: «يا معشر الأنصار، ألم آتكم ضلالاً فهداكم الله وعالة فأغناكم الله؟ وأعداء فألف بين قلوبكم؟» قالوا: بلى، ثم قال: «ألا تجيبون يا معشر الأنصار؟» قالوا: وما نقول يا رسول الله؟ وبماذا نجيب؟ المن لله ورسوله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «والله لو شئتم لقلتم فصدقتم وصدقتم جئتنا طريداً فآويناك وعائلاً فآسيناك، وخائفاً فأمناك ومخذولاً فنصرناك»، فقالوا: المن لله ولرسوله، ثم قال صلى الله عليه وسلم: «أوجدتم في نفوسكم يا معشر الأنصار، في شيء يسير من الدنيا تألفت بها قلوب قوم أسلموا، ووكلتكم إلى ما قسم الله لكم من الإسلام؟! أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس إلى رحالهم بالشاة والبعير، وتذهبون برسول الله إلى رحالكم، فوالذي نفسي بيده لو أن الناس سلكوا شعباً، وسلكت الأنصار شعباً لسلكت شعب الأنصار»، ثم دعا لهم قائلاً: «اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار»، فبكى القوم حتى اخضلت لحاهم، وقالوا: رضينا بالله رباً وبرسوله قسماً، ثم انصرفوا(9).

فهل سمعت في باب الاسترضاء أروع وأبلغ من هذه الكلمات الجامعة بين الحق والصراحة والرقة والاستعطاف؟ وهل سمعت في تهدئة النفوس الثائرة مثل هذا الكلام الرقيق الذي يضرب على أوتار القلوب، ويهز المشاعر ويستولي على الوجدان؟ ومن أعجب العجب أنك لا تجد فيها كلمة مداهنة أو مخادعة، أو كلمة مزوقة دعت إليها المجاملة، أو عدة بالوعود الكاذبة والأماني البراقة كما يفعل زعماء السياسة وقواد الحروب وزعماء الأحزاب ولاسيما في العصر الحديث الذي يخادع الحكام فيها شعوبهم ويعدونهم ويمنونهم وما يعدونهم إلا السراب الخادع، إنها الرسالة والنبوة التي تسمو عن كل ذلك، إنه منطق الإيمان.

___________________________

(1) صححه الألباني في مشكلة الفقر ص69 رقم الحديث: 105 قال وهو في مختصر مسلم 1773 وسلسلة الصحيحة 1083.

(2) أنظر صحيح البخاري. ج3 باب كيف آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين أصحابه رقم الحديث: 3722.

(3) أنظر السنن الكبرى للبيهقي. ج6 باب شكر المعروف. ص183 رقم الحديث: 11814.

(4) تخريج آحاديث وآثار كتاب "في ظلال القرآن" سورة الحشر، تأليف علوي بن عبد القادر السقاف، دار الهجرة للنشر والتوزيع.

يقول المؤلف: لم أجد له إسناداً صحيحاً. وقد رواه الواقدي بإسناده إلى أم العلاء رضي الله عنها. وقال ابن سيد الناس في "عيون الأثر": وذكر أبو عبد الله الحاكم في "الإكليل" له بإسناده إلى الواقدي "وذكره". كما نسبه للحاكم الحافظ في "الفتح". والواقدي متهم بالكذب. ونسبه القرطبي لابن عباس ولم يسنده، وهو موجود في "تنوير المقباس". انظر: "تفسير القرطبي 18/ 25"، "مجمع التفاسير6/ 223"، "عيون الأثر2/ 70"، "الفتح 7/ 333"، "مغازي الواقدي1/ 379".

(5) أنظر صحيح البخاري ج3. باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار» رقم الحديث: 3568.

(6) متفق عليه: أنظر صحيح البخاري ج1 باب علامة الإيمان حب الأنصار ص14 رقم الحديث: 17 وصحيح مسلم ج1 باب الدليل على أن حب الأنصار وعلياً من الإيمان ص 85 رقم الحديث: 74.

(7) متفق عليه: أنظر صحيح البخاري ج3 باب حب الأنصار من الإيمان: رقم الحديث 3572 وصحيح مسلم: ج1 باب الدليل على أن حب الأنصار وعلياً من الإيمان ص 85 رقم الحديث: 85.

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
أسس بناء المجتمع الإسلامي
الأثنين 12 ذو القعدة 1434هـ الموافق:16 سبتمبر 2013م11:09:01 بتوقيت مكة
امييييييييره 
الفف شكرر الك بس بدي باختصار اسس بناء المجتمع المسلم لانو عندي اختبار بكرره بلييييز
 
الثلاثاء 22 ربيع الأول 1433هـ الموافق:14 فبراير 2012م12:02:30 بتوقيت مكة
جاد 
مجتمع لا يبنى على العقيدة والشريعة مجتمع متفكك متقسم جاهلي ينبغي الهجرة منه في رأيي
 
الثلاثاء 8 ربيع الأول 1433هـ الموافق:31 يناير 2012م12:01:12 بتوقيت مكة
الحجاجي 
إذا احتربت يوماً فسالت دماؤها *** تذكرت القربى فسالت دموعها

المروءة والأخلاق التي في البيت الشعري لم تعد موجودة اليوم . والبيت الموجود اليوم :
إذا احتربت يوماً فسالت دماؤها *** تذكرت القربى فخفت دموعها
 

* تنبيهات هامة:

1.    يتم قبول التعليقات المكتوبة باللغة العربية فقط.

2.    أي تعليق يحتوي تجريح او إساءة إلى شخص لن يتم نشره.

3.    أقصى حد لقبول التعليق لا يتجاوز 800 حرف.

4.    الالتزام بالموضوعية والجدية في التعليق.

5.    لن يتم اعتماد اي تعليق يخرج عن اطار الموضوع.

6.    الاستفسارات والطلبات والاقتراحات يمكن إرسالها على بريد الموقع، وسيتم تجاهل الرد عليها في التعليقات.

الاسم:  
البريد الإلكتروني: 
نص التعليق: 
 
   Refresh