الشيخ صالح صواب

الشيخ عيسى بن معافا شريف

الشيخ أنور الخضري

الشيخ محمد الحاشدي

الشيخ أحمد بن حسن المعلم

الشيخ أكرم مبارك عصبان

الشيخ عبد المجيد بن عزيز الزنداني

الشيخ عبدالله بن فيصل الأهدل

الشيخ عقيل بن محمد بن زيد المقطري

الشيخ علي بن محمد عبد الله بارويس

الشيخ محمد بن موسى العامري

الشيخ مراد بن أحمد العسيري القدسي

الشيخ ناصر العاهمي

الشيخ إسماعيل بن عبدالباري

الشيخ صالح الظبياني

الشيخ صالح باكرمان

الشيخ خالد بن محمد الصادقي

الشيخ صالح بن مبارك دعكيك

الشيخ عبد الله بن محمد الحاشدي

الشيخ عبد المجيد بن محمود الريمي

الشيخ عبد الوهاب بن لطف الديلمي

الشيخ عبد الوهاب بن محمد الحميقاني

الشيخ علي بن محمد مقبول الأهدل

الشيخ كمال بن عبد القادر با مخرمة

الشيخ محمد الصادق مغلس

الشيخ محمد بن إسماعيل العمراني

الشيخ أحمد بن عبد الله القاضي

الشيخ أمين بن عبد الله جعفر

الشيخ عبد السلام بن مقبل المجيدي

الشيخ محمد بن علي الوادعي

الشيخ محمد بن ناصر الحزمي

الشيخ نادر بن سعد العمري

الشيخ أحمد بن علي معوضة

الشيخ أحمد بن محمد المصباحي

الشيخ خالد بن محمد الوصابي

الشيخ حسين بن علي الزومي

الشيخ عبد الرحمن بن سعيد البريهي

الشيخ عبد الرحمن علي العرومي

الشيخ عبد الله بن محمد اليزيدي

الشيخ علي بن محمد المطري الأعروقي

الشيخ عوض بن محمد بانجار

الشيخ ناظم عبد الله باحبارة

الشيخ عبد الله بن غالب الحميري

الشيخ أحمد بن علي برعود

الشيخ حسن بن محمد شبالة

  
  
 
 
17536220
 
 
 
 
الشيخ/ مراد بن أحمد القدسي
الخميس 26 يناير 2012

تتلخص حادثة الإفك في ترويج شائعة من قِبَل المنافقين وبعض المؤمنين تتضمن اتهام أم المؤمنين عائشة رضي الله بالزنا. حدث ذلك عندما تَخلَّفت أُمُّنا عن الجيش في غزوة بني المصطلق، ثم أحضرها الصحابي صفوان بن المُعطِّل السُّلَمي رضي الله عنه على ظهر جمله. بعدها انطلقت الشائعات انطلاق النار في الهشيم، ورَوَّجت لها أبواق الدعاية والشر أيَّما ترويج، فعمَّت المجتمع بأسره، ولم تقتصر على الأشخاص المعنيين بها أو البيت أو العائلة التي تنتمي إليها، كما هو حال كثير من المشاكل الاجتماعية

وتعد حادثة الإفك من أخطر الشائعات التي روجت في المجتمع المسلم وكان القصد منها النيل من النبي صلى الله عليه وسلم ومن أهل بيته, فوجهت السهام إلى أقرب الناس من النبي صلى الله عليه وسلم وألصقهم به, ومن ثم ترويجها في المجتمع المسلم, وفقد تولى كبر نشر هذه الإشاعة عبد الله بن أبي بن سلول قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور:11]. وتعد هذه الحادثة فريدة في نوعها؛ لأن تاريخ الدعوة لم يشهد لها مثيلاً من قبل, وفي الصف المسلم بالذات.

لقد كانت حادثة الإفك معركة خاضها رسول الله صلى الله عليه وسلم, وخاضتها الجماعة المسلمة ضد المنافقين يوم ذاك, وخاضها الإسلام, فهي من أضخم المعارك التي خاضها رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج منها منتصراً كاظماً لآلامه الكبار, محتفظاً بوقار نفسه وعظمة قلبه وجميل صبره, فلم تؤثر عنه كلمة واحدة تدل على نفاذ صبره وضعف احتماله والآلام التي تتناوشه لعلها أعظم الآلام التي مرت به في حياته, والخطر على الإسلام من تلك الفرية التي صنعها المنافقون من أشد الأخطار التي تعرض لها في تاريخه.

إن الإنسان ليقف متلمحاً أمام هذه الصورة الفظيعة لتلك الفترة الأليمة في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم, وأمام تلك الآلام العميقة اللاذعة لعائشة زوجه المقربة, وهي فتاة صغيرة في نحو السادسة عشرة, تلك السنة المليئة بالحساسية المرهفة والرقة الشفيفة فها هي ذي عائشة الطيبة الطاهرة ها هي ذي وفي برائتها ووضاءة ضميرها ونظافة تصوراتها, ها هي ترمى في أعز ما تعتز به ترمى في شرفها وهي ابنة الصديق الناشئة في العش الطاهر الرفيع, وترمى في أمانتها, وهي زوج محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم من ذرية بني هاشم, وترمى في وفائها, وهي الحبيبة المدللة القريبة من ذلك القلب الكبير... ثم ترمى في إيمانها وهي المسلمة الناشئة في حجر الإسلام, من أول يوم تفتحت عيناها فيه على الحياة, وهي زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ها هي ذي ترمى وهي بريئة غرة غافلة لا تحتاط لشيء, ولا تتوقع شيئاً, فلا تجد ما يبرئها, إلا أن ترجو من جناب الله, وتترقب أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤيا تبرئها مما رميت به, ولكن الوحي يتلبث في حكمة يريدها الله شهراً كاملاً, وفي مثل هذا العذاب.

أهم الآداب والأحكام التي تؤخذ من محنة الإفك

أولاً: تبرئة السيدة عائشة رضي الله عنها من الإفك

فالإفك -إذن- تعمُّد الكذب، ويعطي ضد الحكم، لذلك كان الإفكُ أفظعَ أنواع الكذب؛ لأنه يقلب الحقائق ويختلق واقعاً مضاداً لما لم يحدث, يقول تعالى: {وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى} [النجم:53], وهي القُرَى التي جعل الله عاليها سافلها، وكذلك الإفك يُغيِّر الواقع، ويقلبه رَأْساً على عَقِب.

برأها بقرآن يُتلى إلى آخر الزمان , قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النــور:11].

وقال تعالى: {الخبيثات لِلْخَبِيثِينَ والخبيثون لِلْخَبِيثَاتِ والطيبات لِلطَّيِّبِينَ والطيبون لِلْطَّيِّبَاتِ..} [النور:26], {أُوْلَئِكَ...} أي: الذين دارتْ عليهم حادثة الإفك، وخاض الناس في حقهم، وهما عائشة وصفوان {مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ...} أي: مما يُقَال عنهم، بدليل هذا التكافؤ الذي ذكرتْه الآية، فمن أطيبُ من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وكما ذكرنا أن الله تعالى ما كان ليُدلِّس على رسوله صلى الله عليه وسلم ويجعل من زوجاته مَنْ تحوم حولها الشبهات.

إذن: فلا بُدَّ أن تكون عائشة طَيّبةً طِيبةً تكافي وتناسب طِيبة رسول الله؛ لذلك برَّأها الله مما يقول المفترون.

وقوله: {لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [النور:26] مغفرة نزلتْ من السماء قبل القيامة، ورزق كريم، صحيح أن الرزق كله من الله بكرم، لكن هنا يراد الرزق المعنوي للكرامة وللمنزلة وللسمو، لا الرزق الحسيّ الذي يقيم قِوام البدن من أكل وشرب وخلافه.

ثانياً: تكذيب القائلين بالإفك

- قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ}, والعصبة: الجماعة التي ترتبط حركتها لتحقيق غاية متحدة، ومن ذلك نقول: عصابة مخدرات، عصابة سرقات، يعني: جماعة اتفقوا على تنفيذ حَدَث لغاية واحدة، ومنه قوله تعالى في سورة يوسف: {وَنَحْنُ عُصْبَةٌ..} [يوسف:14].

وما دام أهلُ الإفْك عصبةً فلا بُدَّ أن لهم غاية واحدة في التشويه والتبشيع، وكان رئيسهم عبد الله بن أُبيّ بن سلول، وهو شيخ المنافقين، وسبب نفاقه، ففي اليوم الذي دخل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة كانوا يصنعون لعبد الله بن أُبيٍّ تاجاً ليُنصِّبوه مَلِكاً على المدينة، فلما فُوجِيء برسول الله واجتماع الناس عليه وانفضاضهم من حوله بقيت هذه في نفسه.

- وقوله تبارك تعالى: {وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور:11].

تولَّى كبر الشيء: يعني قام به وله حَظٌّ وافر فيه، أو نقول: هو ضالع فيه، والمقصود هنا عبد الله بن أُبيّ الذي قاد هذه الحملة، وتولّى القيام بها وترويجها {لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور:11] أي: يناسب هذه الجريمة.

قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ..} [النور:23] المحصنة: لها إطلاقات ثلاث، فهي المتزوجة لأن الإحصان: الحِفْظ وكأنها حفظتْ نفسها بالزواج، أو هي العفيفة، وإنْ لم تتزوج فهي مُحْصَنة في ذاتها، والمحصنة هي أيضاً الحرة؛ لأن عملية البِغَاء والزنا كانت خاصة بالإماء.

و{الغافلات..} [النور:23] جمع غافلة، وهي التي لا تدري بمثل هذه المسائل، وليس في بالها شيء عن هذه العملية، ومن ذلك ما ورد في الحديث الشريف, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل بريرة خادمة السيدة عائشة: «ما تقولين في عائشة يا بريرة؟» فقالت: تعجن العجين ثم تنام بجانبه فتأتي الدواجن فتأكله وهي لا تدري, وهذا كناية عن الغفلة لأنها ما زالت صغيرة لم تنضج نُضْج المراهقة ومع نُضْج المراهقة نُضْج اليقين والإيمان.

وتلحظ هذه الغفلة في البنت الصغيرة حين تقول لها: أتتزوجين فلاناً؟ تقول: لا أنا أتزوج فلاناً، ذلك لأنها لا تدري معنى العلاقة الزوجية، إنما حينما تكبر وتفهم مثل هذه الأمور فإنْ ذكرتَ لها الزواج تستحي وتخزى أن تتحدث فيه؛ لأنها عرفتْ ما معنى الزواج.

إذن: الغافلة حتى عن مسائل الزواج والعلاقات الزوجية، ولا تدري شيئاً عن مثل هذه الأمور كيف تفكر في الزنا؟

- ثم يذكر ربنا -تبارك وتعالى- جزاء هذه الجريمة: {لُعِنُواْ فِي الدنيا والآخرة وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور:23].

واللعْن: هو الطرد والإبعاد من رحمة الله، وأيضاً الطرد والإبعاد عن حظيرة المؤمنين؛ لأن القاذف حكمه أنْ يُقام عليه الحدُّ، ثم تسقط شهادته، ويسقط اعتباره في المجتمع الذي يعيش فيه، فجمع الله عليه الخزي في الدنيا بالحدِّ وإسقاط الاعتبار، إلى جانب عذاب الآخرة، فاللعن في الدنيا لا يعقبه من عذاب الآخرة.

وإن العذاب: إيلام حَيٍّ، وقد يُوصَف العذاب مرة بأليم، ومرة بمهين، ومرة بعظيم، هذه الأوصاف تدور بين العذاب والمعذّب، فمن الناس مَنْ لا يؤلمه الجَلْد، لكن يهينه، فهو في حقه عذاب مهين لكرامته، أما العذاب العظيم فهو ما فوق ما يتصوَّره المتصوِّر؛ لأن العذاب إيلام من مُعذِّب لمعذِّب، والمعذَّب في الدنيا يُعذَّب بأيدي البشر وعلى قَدْر طاقته.

- أمّا العذاب في الآخرة فهو بجبروت الله وقَهْر الله؛ لذلك يُوصَف بأنه عظيم.وقال سبحانه: {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ..}, نعلم جميعاً أن اللسان هو الذي يتكلم، فلماذا أضافت الآية: {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ..} [النور:24].

قالوا: في الدنيا يتكلم اللسان وينطق، لكن المتكلم في الحقيقة أنت؛ لأنه مَا تحرَّك إلا بمرادك له، فاللسان آلة خاضعة لإرادتك، إذن: فهو مجرد آلة، أمَّا في الآخرة فسوف ينطق اللسان على غير مراد صاحبه؛ لأن صاحبه ليس له مراد الآن.

ثم يقول سبحانه: {وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [النور:24], وهي تنطق حقيقة، كما قال تعالى حكايةً عن الجوارح: {وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قالوا أَنطَقَنَا الله الذي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [فصلت:21].

ومعنى: {الذي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ} أن لكل شيء في الكون نُطْقاً يناسبه، كما نطقت النملة وقالت: {يا أيها النمل ادخلوا مَسَاكِنَكُمْ..} [النمل:18] ونطق الهدهد، فقال: {أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ} [النمل:22], وقد قال تعالى عن نُطْق هذه الأشياء: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ..} [الإسراء:44].

لكن، إنْ أراد الله لك أن تفقه نُطْقهم فقَّهك كما فقَّه سليمان عليه السلام، حين فهم عن النملة: {فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِّن قَوْلِهَا} [النمل:19] كما فَهِم عن الهدهد، وخاطبه في قضية العقيدة.

وإنْ كان النطق عادةً يفهم عن طريق الصوت، فلكل خَلْق نُطْقه الذي يفهمه جنسه؛ لذلك نسمع الآن مع تقدُّم العلوم عن لُغة للأسماك، ولغة للنحل إلخ.

- وقال تعالى: {يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ} [النور:25].

قوله: {يَوْمَئِذٍ..} [النور:25] أي: يوم أنْ تحدث هذه الشهادة، وهو يوم القيامة {يُوَفِّيهِمُ الله دِينَهُمُ الحق..} الدين: يُطلَق على منهج الله لهداية الخَلْق، ويُطلق على يوم القيامة، ويُطلَق على الجزاء.

فالمعنى: يوفيهم الجزاء الذي يستحقونه {الحق} أي: العدل الذي لا ظلمَ فيه ولا تغيير، فليس الجزاء جُزَافاً، إنما جزاء بالحق؛ لأنه لم يحدث منهم توبة، ولا تجديد إيمان؛ لذلك لا بُدَّ أنْ يقع بهم ما حذرناهم منه وأخبرناهم به من العقاب، وليس هناك إله آخر يُغيِّر هذا الحكم أو يؤخره عنهم.

- ثم يقول تعالى: {وَيَعْلَمُونَ أَنَّ الله هُوَ الحق المبين} [النور:25] هو الشيء الثابت الذي لا يتغير، فكلُّ ما عدا الله تعالى مُتغير، إذن: فالله بكل صفات الكمال فيه سبحانه لا تغييرَ فيه، فالله هو الحقُّ الثابت، هذا بالبراهين العقلية وبالواقع، وقد عرفنا الكثير من البراهين العقلية، أما الواقع فإلى الآن لم يظهر مَنْ يقول أنا الله ويدَّعي هذا الكون لنفسه، وصاحب الدعوى تثبت له إنْ لم يَقُمْ عليها معارض ومعنى {المبين} [النور:25] الواضح الظاهر الذي تشمل أحقيتُه الوجودَ كله.

ثالثاً: النهي عن إشاعة الفاحشة بين المؤمنين

قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النــور:19] {الْفَاحِشَةُ} قال ابن كثير: أي: "الأمور الشنيعة المستقبحة المستعظمة، فيحبون أن تشتهر الفاحشة {فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي: موجع للقلب والبدن، وذلك لغشه لإخوانه المسلمين، ومحبة الشر لهم، وجراءته على أعراضهم، فإذا كان هذا الوعيد، لمجرد محبة أن تشيع الفاحشة، واستحلاء ذلك بالقلب، فكيف بما هو أعظم من ذلك، من إظهاره، ونقله؟" وسواء كانت الفاحشة، صادرة أو غير صادرة".[تفسير ابن كثير1/ 563].

وقوله: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} قال ابن جرير: "يقول تعالى ذكره: والله يعلم كذب الذين جاءوا بالإفك من صدقهم، وأنتم أيها الناس لا تعلمون ذلك، لأنكم لا تعلمون الغيب، وإنما يعلم ذلك علام الغيوب, يقول: فلا تَرْووا ما لا علم لكم به من الإفك على أهل الإيمان بالله، ولا سيما على حلائل رسول الله صلى الله عليه وسلم فتهلكوا". [تفسير الطبري 19/ 134].

رابعاً: غيرة الله جل وعلى على عباده المؤمنين الصادقين

ودفاعه عنهم, وتهديده لمن يرميهم بالفحش واللعن في الدنيا والآخرة, قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمْ اللَّهُ دِينَهُمْ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ} [النور:23-25].

قال صاحب الكشاف عند تفسير هذه الآيات: "ولو تليت القرآن كله, وفتشت عما أُعيد العصاة لم ترَ الله تعالى قد غلَّظ في شيء تغليظه في إفك عائشة رضوان الله عليها, ولا أنزل من الآيات القوارع المشحونة بالوعيد الشديد, والعتاب البليغ, والزجر العنيف, واستعظام ما ارتكب من ذلك واستفظاع ما أقدم عليه, ما أنزل فيه على طرق مختلفة, وأساليب مفتنة, كل واحد كافٍ في بابه, ولو لم ينزل إلا هذه الآيات الثلاث لكفى بها, حيث جعل القذفة ملعونين في الدارين جميعاً, وتوعدهم بالعذاب العظيم في الآخرة, وبأن ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم تشهد عليهم بما أفكوا و بهتوا, وأنه يوفيهم جزاءهم الحق الواجب الذي هم أهله".

خامساً: بيان سنة من سنن الله الجارية في الكون

وهي أن الطيبين يجعلهم الله من نصيب الطيبات والطيبات يجعلهم الله من نصيب الطيبين, قال تعالى: {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [النور:26].

"أي: كل خبيث من الرجال والنساء، والكلمات والأفعال، مناسب للخبيث، وموافق له، ومقترن به، ومشاكل له، وكل طيب من الرجال والنساء، والكلمات والأفعال، مناسب للطيب، وموافق له، ومقترن به، ومشاكل له، فهذه كلمة عامة وحصر، لا يخرج منه شيء، من أعظم مفرداته، أن الأنبياء خصوصا أولي العزم منهم، خصوصا سيدهم محمد صلى الله عليه وسلم، الذي هو أفضل الطيبين من الخلق على الإطلاق لا يناسبهم إلا كل طيب من النساء، فالقدح في عائشة رضي الله عنها بهذا الأمر قدح في النبي صلى الله عليه وسلم، وهو المقصود بهذا الإفك، من قصد المنافقين، فمجرد كونها زوجة للرسول صلى الله عليه وسلم، يعلم أنها لا تكون إلا طيبة طاهرة من هذا الأمر القبيح.فكيف وهي هي؟ صديقة النساء وأفضلهن وأعلمهن وأطيبهن، حبيبة رسول رب العالمين، التي لم ينزل الوحي عليه وهو في لحاف زوجة من زوجاته غيرها" [تفسير ابن سعدي 1/ 563].

سادساً: بين الله سبحانه وتعالى أن هؤلاء المشيعين لهذه التهمة الباطلة لم يعتمدوا في اتهامهم على أصل معتبر شرعاً

حيث قال تعالى: {لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمْ الْكَاذِبُونَ} [النور:13] أي: "هلا أحضروا في اتهامهم هذا أربعة شهداء ممن ترضى شهادتهم يشهدون أنهم رأوا الجريمة!, فإذ لم يأتوا بالشهداء, كما هو الحال في أهل الإفك هذا فأولئك في حكم الله وشريعته هم الكاذبون, الذين بلغوا من الكذب حداً بالغاً, كأن غيره من الكذب لا شيء معه".

قال القرطبي: "قوله تعالى: {لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ} هذا توبيخ لأهل الإفك و{لولا} بمعنى هلا أي هلا جاءوا بأربعة شهداء على ما زعموا من الافتراء وهذا رد على الحكم الأول وإحالة على الآية السابقة في آية القذف".

وقال: "قوله تعالى: {فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمْ الْكَاذِبُونَ} أي هم في حكم الله كاذبون وقد يعجز الرجل عن إقامة البينة وهو صادق في قذفه ولكنه في حكم الشرع وظاهر الأمر كاذب لا في علم الله تعالى وهو سبحانه إنما رتب الحدود على حكمه الذي شرعه في الدنيا لا على مقتضى علمه الذي تعلق بالإنسان على ما هو عليه فإنما يبنى على ذلك حكم الآخرة". [تفسير القرطبي 12/ 181].

وقوله: {فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ} الفاء رابطة وأولئك مبتدأ وعند الله متعلقان بمحذوف حال أي في حكمه وهم مبتدأ ثان أو ضمير فصل والكاذبون خبر أولئك أو خبر هم والجملة خبر أولئك.

سابعاً: نظراً لخطورة هذا الأمر, أرشد الله المؤمنين الذين لم ينكروا خبر الإفك إلى الواجب الشرعي عليهم أزاء هذا الخبر الكاذب

إذ قال: {وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} [النور:16] أي هلا إذ سمعتم خبر الإفك أنكرتموه من أول وهلة , وقلتم ما يصح لنا ولا يستقيم مع أصول ديننا أن ننطق بهذا الخبر الكاذب!.

ثامناً: كان موقف الصحابة رضوان الله عليهم من قصة الإفك موقفاً كريماً نزيهاً

وقد رويت عن بعضهم كلمات في تبرئة أم المؤمنين رضي الله عنها تدل على ورعهم وقوة إيمانهم, كما تدل على نزاهة عائشة رضي الله عنها, ومقدار قيمتها في نفوس المؤمنين.

- ومن هؤلاء أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه: فقد ذكرت عائشة رضي الله عنها قالت: "وكانت أم أيوب الأنصارية قالت لأبي أيوب: أما سمعت ما يتحدث الناس به؟, فحدثته بقول أهل الإفك, فقال: "ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم", وفي رواية: أن أم أيوب قالت: ألا تسمع ما يقول الناس في عائشة؟, قال: "بلى, وذلك الكذب, أكنت يا أم أيوب فاعلة؟" قالت: لا والله, ما كنت فاعلة, قال: فعائشة والله خير منك.

- ومنهم سعد بن معاذ رضي الله عنه: فعن سعيد بن جبير في قوله تعالى: {سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} قال: يعني ألا قلتم مثل ما قال سعد بن معاذ الأنصاري في أمر عائشة رضي الله عنها {سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ}.

- ومنهم زينب بنت جحش رضي الله عنها: فإنها أثنت على عائشة رضي الله عنها, ولم تتهمها حين استشارها رسول الله صلى الله عليه وسلم, ولعل ما رآه النبي صلى الله عليه وسلم من ثناء أسامة بن زيد رضي الله عنه على عائشة, وإصرار الجارية بريرة على تزكيتها, وهي من أخبر الناس بها, علاوة على تزكية زينب رضي الله عنها, هو الذي شجع النبي صلى الله عليه وسلم على أن يقوم فيستعذر من عبد الله بن أبي ابن سلول.

تاسعاً: ذلك التشريع الإلهي الحكيم المتعلق بحماية المجتمع من الفوضى والانفلات.

يُوجِّهنا الحق -تبارك وتعالى- إلى ما ينبغي أن يكون في مثل هذه الفتنة من ثقة المؤمنين بأنفسهم بإيمانهم، وأنْ يظنوا بأنفسهم خيراً وينأَوا بأنفسهم عن مثل هذه الاتهامات التي لا تليق بمجتمع المؤمنين، فكان على أول أُذن تسمع هذا الكلام على أول لسان ينطق به أن يرفضه؛ لأن الله تعالى ما كان ليُدلس على رسوله وصَفْوته من خَلْقه، فيجعل زوجته محلَّ شكٍّ واتهام فضلاً عن رَمْيها بهذه الجريمة البشعة.

فإنه لما كان جانب العرض جانباً حساساً في المجتمعات التي تحافظ عليه, أصبح يقع بسبب انتهاكها قتل وتفكك في الأسر وتشويه للسمعة حتى تحط بعض الأسر العريقة في الشرف والعلو إلى الحضيض,فأراد الله عز وجل بتقديره وقوع ذلك الحدث أن يضرب المثل للمؤمنين بأن الاتهام الكاذب لم يبرأ منه حتى سيد البشر صلى الله عليه وسلم, وأسرة أبي بكر الصديق رضي الله عنه أفضل الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم, حتى لا يتسرع المؤمنون في مواجهة هذا الحدث إذا ما وقعوا فيه فيتصرفوا تصرفاً شائناً بالقتل أو الطلاق بالنسبة لمن وقعت عليهم التهمة, أو بإشاعة الخبر والظنون السيئة لمن سمع به من المؤمنين, فقدر الله عز وجل وقوع هذا الحدث ليتحمل من أصيب بمثل ذلك بالصبر, ويتصرف بحكمة وروية, وليظن المؤمنون بإخوانهم خيراً, فيكفوا عن الخوض في مثل هذه الأمور التي تشتهي بعض النفوس الخوض فيها, حتى يستقيم المجتمع الإسلامي, ويتطهر من إشاعة مثل هذه الأخبار السيئة التي تحطم كيانه الأخلاقي.

عاشراً: في محنة الإفك بيَّن الله جل وعلا كيف يأتي بالفرج والسرور بعد الشدة والبلاء.

وتحيرت الصِّدِّيقة وأبوها وأمها رضوان الله عليهم بماذا يجيبون, أتاهم الله عز وجل بما تقر به أعينهم من الوحي الصادق على رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل كالغيث الذي جاء بعد القحط والشدة, كما قال الله تعالى جل وعلا: {لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ}, فإذا كان فيها شدة وألم, ففيها من الدروس والعبر والتربية للأمة ما يفوق هذا الشر بكثير, فكم ارتفعت عائشة رضي الله عنها حين نزل براءتها قرآن يُتلى إلى يوم القيامة.

لكن ما الخير في هذا الكلام وفي إذاعته؟

- لأن القرآن حين تُتَّهم عائشة وتنزل براءتها من فوق سبع سموات في قرآن يُتْلَى ويُتعبَّد به إلى يوم القيامة.

- وحين يُفضَح قوم على لسان القرآن، لا بُدَّ أن يعتبر الآخرون، ويخافوا إنْ فعلوا مخالفة أنْ يفتضح أمرهم؛ لذلك جاء هذا الموقف درساً عملياً لمجتمع الإيمان.

- لأنها نوع من التأييد لرسول الله ولدعوته، فالحق -تبارك وتعالى- يُؤيِّد رسوله في الأشياء المسرَّة ليقطع أمل أعدائه في الانتصار عليه، ولو بالتدليس، وبالمكر ولو بالإسرار والكَيْد الخفي، ففي ذروة عداء قريش لرسول الله كان إيمان الناس به يزداد يوماً بعد يوم.

الحادي عشر: حصول الأجر

قال الزمخشري في تفسير الآية السابقة: "ومعنى كونه خيراً لهم, أنهم اكتسبوا فيه الثواب العظيم, لأنه كان بلاءً مبيناً ومحنة ظاهرة, وأنه نزلت فيه ثماني عشرة آية كل واحدة منها مستقلة, بما هو تعظيم لشأن النبي صلى الله عليه وسلم وتسلية له, وتنزيه لأم المؤمنين رضي الله عنها وتطهير لأهل البيت وتهويل لمن تكلم في ذلك أو سمع به فلم تمجه أذناه, وعدة ألطاف السامعين والتالين إلى يوم القيامة وفوائد دينية وأحكام وآداب لا تخفى على متأمليها".

الثاني عشر: ومن هذه الأحكام

ما نقله القرطبي عن الإمام مالك رحمه الله قال: "من سب أبا بكر قتل ومن سب عمر قتل , ومن سب عائشة قُتل, لأن الله تعالى يقول {يَعِظُكُمْ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ}, فمن سب عائشة خالف القرآن, ومن خالف القرآن قُتل, وكل من سبها بما برأها الله به مُكذب لله, ومن كذب الله فهو كافر بالإجماع".

الثالث عشر: وحيث كان النبي صلى الله عليه وسلم أطيب الطيبين وخيرة الأولين والآخرين

تبين كون الصِّدِّيقة رضي الله عنها من أطيب الطيبات بالضرورة, واتضح بطلان ما قيل في حقها من قبل المنافقين والباطنيين من خرافات, لأن الله تعالى الذي برأها من فوق سبع سموات يقول {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}, وهو الجنة.

قال ابن كثير: "أي ما كان ليجعل عائشة زوجة لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهي طيبة, لأنه أطيب من كل طيب البشر, ولو كانت خبيثة لما صلحت له شرعاً ولا قدراً, ولهذا قال تعالى: {أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ} أي عما يقول أهل الإفك والعدوان.

الرابع عشر: أزواج النبي صلى الله عليه وسلم من أهل بيته

كما دل عليه سياق آية الأحزاب {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}, ومذهب أهل السنة والجماعة أنهم يتولون جميع أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ويترضون عنهن, ويؤمنون أنهن أزواجه في الدنيا والآخرة, وأنهن أمهات المؤمنين في الاحترام والتعظيم وتحريم نكاحهن, وأنهن مطهرات مبرآت من كل سوء, ويتبرأون ممن آذاهن أو سبهن, ويحرمون الطعن فيهن وقذفهن خصوصاً خديجة رضي الله عنها أم أكثر أولاده , وأول من آمن به وعاضده في أمره, وكان لها من المنزلة العالية, والصِّدِّيقة بنت الصديق رضي الله عنها التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: «كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم ابنة عمران وآسية امرأة فرعون وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام».

ومن زوجاته حفصة أم المؤمنين بنت أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه, ومن زوجاته أم سلمة ذات الهجرتين التي هاجرت مع زوجها إلى الحبشة ثم إلى المدينة, ومنهن زينب أم المؤمنين التي زوجها الله إياها من فوق سبع سماوات, ومنهن صفية بنت حيي من ولد هارون بن عمران, ومنهن جويرية بنت الحارث زعيم بني المصطلق, ومنهن سودة بنت زمعة التي نزلت بسببها آية الحجاب, ومنهن أم حبيبة بنت أبي سفيان زعيم قريش التي هاجرت الهجرتين أيضاً, ومنهن ميمونة بنت الحارث, رضي الله عنهن أجمعين.

الخامس عشر: وأخيرا ً بين الله تعالى فضاعة هذا العمل

وحذر عباده المؤمنين من أن يعودوا لمثل هذا التصرف, فينتهكوا أعراض إخوانهم المؤمنين بلا بينة ولا برهان:

1- ظن الخير بالآخرين: {لولا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المؤمنون والمؤمنات بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُواْ هذا إِفْكٌ مُّبِينٌ} [النور:12] كان من المنتظر قبل أن تنزل المناعة في القرآن أن تأتي من نفوس المؤمنين أنفسهم، فيردون هذا الكلام, و{لولا} أداة للخصِّ والحثِّ، وقال: {المؤمنون والمؤمنات..} [النور:12]؛ لأنه جال في هذه الفتنة رجال ونساء، والقرآن لا يحثهم على ظنِّ الخير برسول الله أو زوجته، وإنما ظن الخير بأنفسهم هم؛ لأن هذه المسألة لا تليق بالمؤمنين، فما بالك بزوجة نبي الله ورسوله صلى الله عليه وسلم؟

2- انكار ذلك {وَقَالُواْ..} [النور:12] أي: قبل أن ينزل القرآن ببراءتها {هاذآ إِفْكٌ مُّبِينٌ} [النور:12] يعني: كذب متعمد واضح بيِّن لأنه في حق مَنْ؟ في حق أم المؤمنين التي طهَّرها الله واختارها زوجة لرسوله صلى الله عليه وسلم.

3- العبرة والعظة {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور:14] {أَفَضْتُمْ..}: أن تندفع إلى الشيء اندفاعاً تقصد فيه السرعة، ومعنى السرعة أن يأخذ الحدث الكبير زمناً أقلَّ مما يتصوّر له، كالمسافة تمشيها في دقيقتين، فتسرع لتقطعها في دقيقة واحدة، فكأنهم أسرعوا في هذا الكلام لما سمعوه، كما يقولون: خبَّ فيها ووضع

لكن، لماذا تفضَّل الله عليهم ورحمهم، فلم يمسَّهم العذاب، ولم يُجازهم على افترائهم على أم المؤمنين؟ قالوا: لأن الحق -تبارك وتعالى- أراد من هذه المسألة العبرة والعظة، وجعلها للمؤمنين وسيلةَ إيضاح، فليس المراد أن يُنزل الله بهم العذاب، إنما أن يُعلمهم ويعطيهم درساً في حِفْظ أعراض المؤمنين.

4- تعظيم الوقيعة في الآخرين وعدم الاستهانة ويقول تعالى: {إذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ} [النور:15] انظر إلى بلاغة الأداء القرآني في التعبير عن السرعة في إفشاء هذا الكلام وإذاعته دون وَعْي ودون تفكير، فمعلوم أن تلقِّي الأخبار يكون بألأُذن لا بالألسنة، لكن من سرعة تناقل هذا الكلام فكأنهم يتلقونه بألسنتهم، كأن مرحلة السماع بالأذن قد ألغيت، فبمجرد أن سمعوا قالوا.

5- لا تقبل الإشاعات إلا بدليل ولا تنقل بين الآخرين {وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَّا لَّيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ} [النور:15], {بِأَفْوَاهِكُمْ} يعني: مجرد كلام تتناقله الأفواه، دون أنْ يُدقِّقوا فيه؛ لذلك قال بعدها {مَّا لَّيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ..} [النور:15] وهذا الكلام ليس هيناً كما تظنون، إنما هو عظيم عند الله؛ لأنه تناول عِرْض مؤمن، وللمؤمن حُرْمته، فما بالك إنْ كان ذلك في حَقِّ رسول الله؟ {وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} [النور:16].

هذا ما كان ما يجب أن تقابلوا به هذا الخبر، أنْ تقولوا لا يجوز لنا ولا يليق بنا أن نتناقل مثل هذا الكلام.

وكلمة {سُبْحَانَكَ..} تقال عند التعجُّب من حدوث شيء, والمعنى: سبحان الله نُنزِّهه ونُجِله ونُعليه أن يسمح بمثل الكذب الشنيع في حقِّ رسوله صلى الله عليه وسلم، فهذا كلام لا يصح أن نتكلم به ولو حتى بالنفي، فإنْ كان الكلام بالإثبات جريمة فالكلام بالنفي فيه مَظنة أن هذا قد يحدث, كما لو قلت: الوَرِع فلان، أو الشيخ فلان لا يشرب الخمر، فكأنه رغم النفي جعلته مظنة ذلك، فلا يصح أن ينسب إليه السوء ولو بالنفي، فذلك ذَمٌّ في حقِّه لا مدح.

كذلك التحدث بهذه التهمة لا يليق بأم المؤمنين، ولو حتى بالنفي، ومعنى {بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} كذب يبهت سامعه، ويُدهِشه لفظاعته، وشناعته. فنحن نأنف أن نقول هذا الكلام، ولو كنا منكرين له.

6- لا يجوز الوقيعة في الأعراض {يعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [النور:17-18].

الوعظ: أن تأتي لِقمة الأشياء فتعِظ بها، كالرجل حينما يشعر بنهايته يحاول أنْ يعِظَ أولاده ويُوصيهم، لكن لا يُوصيهم بكُلِّ أمور الحياة، إنما بالأمور الهامة التي تمثل القمة في أمور الحياة, ووعظ الحق -تبارك وتعالى- لعبادة من لُطفه تعالى ورحمته، يعظكم؛ لأنه عزيز عليه أنْ يؤاخذكم بذنوبكم.

وتذييل الآية بهذا الشرط: {إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ} حثٌّ وإهاجة لجماعة المؤمنين، لينتهوا عن مثل هذا الكلام، وألاَّ يقعوا فيه مرة أخرى، وكأنه تعالى يقول لهم: إنْ عُدْتُم لمثل هذا فراجعوا إيمانكم؛ لأن إيمانكم ساعتها سيكون إيماناً ناقصاً مشكوكاً فيه

7- الحذر من مسلك دعاة الفتنة ومروجي الفاحشة {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النور:19].

{يُحِبُّونَ..} الحب عمل قلبي، والكلام عمل لساني، وترجمة عملية لما في القلب، فالمعنى: الذين يحبون هذا ولو لم يتكلَّموا به؛ لأن لهذه المسألة مراحل تبدأ بالحب وهو عمل القلب، ثم التحدث، ثم السماع دون إنكار.

ولفظاعة هذه الجريمة ذكر الحق سبحانه المرحلة الأولى منها، وهي مجرد عمل القلب الذي لم يتحول إلى نزوع وعمل وكلام إذن: المسألة خطيرة.

والبعض يظن أن إشاعة الفاحشة فضيحة للمتهم وحده، نعم هي للمتهم، لكن قد تنتهي بحياته، وقد تنتهي ببراءته، لكن المصيبة أنها ستكون أُسْوة سيئة في المجتمع.

وهذا توجيه من الحق -سبحانه وتعالى- إلى قضية عامة وقاعدة يجب أن تُرَاعى، وهي: حين تسمع خبراً يخدش الحياءَ أو يتناول الأعراض أو يخدش حكماً من أحكام الله، فإياك أنْ تشيعه في الناس؛ لأن الإشاعة إيجاد أُسْوة سلوكية عند السامع لمن يريد أن يفعل، فيقول في نفسه: فلان فعل كذا، وفلان فعل كذا، ويتجرأ هو أيضاً على مثل هذا الفعل، لذلك توعد الله تعالى مَنْ يشيع الفاحشة وينشرها ويذيعها بين الناس {لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدنيا والآخرة..} [النور:19].

والحق -تبارك وتعالى- لم يعصم أحداً من المعصية وعمل السيئة، لكن الأَسْوء من السيئة إشاعتها بين الناس، وقد تكون الإشاعة في حق رجل محترم مُهَابٍ في مجتمعه مسموع الكلمة وله مكانة، فإنْ سمعت في حَقِّه مَا لا يليق فلربما زهّدك ما سمعتَ في هذا الشخص، وزهَّدك في حسناته وإيجابياته فكأنك حرمتَ المجتمع من حسنات هذا الرجل.وهذه المسألة هي التعليل الذي يستر الله به غَيْب الخَلْق عن الخَلْق، إذن: سَتْر عيب الناس عن الناس نعمة كبيرة تُثري الخير في المجتمع وتُنميه، ويجعلك تتعامل مع الآخرين، وتنتفع بهم على عِلاَّتهم، وصدق الشاعر الذي قال:

فَخُذْ بِعلْمي ولاَ تركَنْ إلىَ عَمِلي *** وَاجْنِ الثمارَ وخَلِّ العُودَ للنَّارِ

هل تُعد حادثة الإفك مشكلة؟

بناء على هذا التصور للمشكلة فان حادثة الإفك تعد في صميم المشاكل العويصة، لأنها تعلقت بشخص الرسول صلى الله عليه وسلم وانتشرت في المجتمع، وكانت أطرافها كثيرة، وقد ترتب عليها نتائج خطيرة وأحكام هامة، ونزل فيها قرآن يتلى إلى يوم القيامة.

وبالنسبة لأم المؤمنين عائشة فانه يمكن النظر إليها على أنها مشكلة ذات شقين: الأول عندما وجدت أم المؤمنين نفسها وحيدة وقد تركها الجيش، والثاني عندما انتشرت الشائعة عنها وهي غافلة حتى عن مجرد التفكير في هذا الأمر.

الطريقة التي عالجت بها أم المؤمنين هذه المشكلة

يمكن تصور الخطوات التي قامت بها أُم المؤمنين عائشة على النحو التالي:

1- الشعور بوجود المشكلة والوقوع فيها.

من المهم معرفة انه لا معنى للمشكلة ما لم يَحُس بها الشخص أو من له علاقة بها, فأُمُّنا عائشة أحسَّت أنها في مشكلة عندما عادت ولم تجد الجيش، وهذا بالنسبة للشق الأول من المشكلة.

أما من حيث الشق الثاني وهو اتهاما بالزنا، فقد أحست بالمشكلة عندما أخبرتها أم مِسْطح بما يشيع عنها؛ فلم تكن تحس بها من قبل، لأنها تعجبت مما قيل، وقد دافعت أم المؤمنين عن مسطح في بداية الأمر عندما دعت عليه أمه قبل أن تخبرها بالقصة.

2- الحفاظ على التماسك النفسي وعدم التضعضع والخوف.

فقد حافظت أُمُّنا على رباطة جأشها وتماسكت، مع أن الموقف في غاية الشدة لأنها وحيدة وقد تركها الجيش ورحل.

وأيضا حافظت على توازنها عندما سمعت بالإشاعة وامتصت الصدمة، مع أنها تفاجأت وذهلت لما قيل عنها:

- وكانت تتمثل قوله تعالى: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} [يوسف:18].

- ويتحقق التماسك النفسي بالاستعانة بالله تعالى بالدعاء والصلاة والذكر، وإحسان الظن بالله وبالمسلمين ممن لهم علاقة بالموضوع، والتفاؤل بالخير.

- كما أن للجانب الإيماني العام تأثيره. ولا بد من الحفاظ على ذلك في كل مراحل حل المشكلة, وهذا ما تمسكت به أمنا عائشة على الرغم من انه قد رُوي عنها إنها تأثرت بالأمر وأنها مرضت وكانت تبكي بكاء شديداً، لكن هذا تصرف طبيعي غريزي، ولم يصل إلى الحد الذي يفقدها تماسكها.

3- تحديد ماهية المشكلة ومعرفة أبعادها.

حددت أُمُّنا المشكلة في أن الجيش قد رحل وتركها فصارت وحيدة, وهذا يترتب عليه أن تخاف على نفسها من الموت أو الأسر أو الاعتداء, كما حدَّدت المشكلة في الشق الثاني وتعرفت عليها عندما علمت بالإشاعة، وأنهم قد رموها بالزنا, وأي تهمة هذه وماذا يمكن أن يترتب عليها؟

* للفتاة تربيتها الخاصة التي تتوافق مع تكوينها الأنثوي، لذلك يُفترض أن يهذب فيها حبّ الزينة دون حجب أو طغيان لفطرتها الأنثوية، وقد تجلّى حب عائشة للزينة في اتخاذها عقداً: "إذا عقد لي من ‏ ‏جزع ‏ ‏ظفار ‏ ‏قد انقطع"، ولمحبة عائشة رضي الله عنها للتزين شواهد في قصص أخرى ليس هذا موضع بسطها.

* وكذلك يظهر جلياً حرصها على متاعها في فائدة تربوية إضافية تشمل الجنسين، وتخص الفتاة بشكل أكبر. "فالتمست عقدي وحبسني ابتغاؤه".

* لا يمكن للمواقف الشديدة أن تنسي الإنسان الالتزام بالأحكام الشرعية خاصة إذا استقر الإيمان في النفس وخالط بشاشة القلب بلا انفكاك، فعائشة رضي الله عنها كانت صغيرة السن، في موقف يذهل القلوب ويحير الألباب، وحديثة عهد بحجاب، ومع ذلك فقد التزمت بشرع الله حين عرض لها امتحان مفاجئ. "فاستيقظت ‏ ‏باسترجاعه ‏ ‏حين عرفني ‏ ‏فخمرت ‏ ‏وجهي بجلبابي".

* اختارت اللحاق بالجيش، لكنها لم تجد الراحلة، والظلام قد حل، ولا يمكنها السير لوحدها.

* البقاء في نفس المكان مع الاختباء.

* الذهاب إلى مكان آخر.

* الانتظار في نفس المكان في حالة عودة الجيش أو نفر منهم، لأنهم إذا فقدوها فلا بد أن يعودوا أدراجهم إلى المكان ليبحثوا عنها.

* البحث عن أحد قد تخلف مثلها من الجيش، أو أحد يتعقب الجيش.

أما من حيث الشق الثاني أي حالة الإشاعة فقد تكون أُمُّنا فكرت فيما يلي:

• الدفاع عن نفسها.

• ترك الأمر للرسول صلى الله عليه وسلم مع البقاء في بيتها, لكن ربما لاحظت تأثر الرسول بالموضوع، وانه قد سرى وانتشر.

* هناك حكمة نبوية في تخفيف التلطف مع من يُظن به أمراً مع القيام بحقه اللازم الواجب دون تقصير، وترك مخاطبته مباشرة (تيكم)؛ خاصة إذا لم يتبين له أمر، فالنبي صلى الله عليه وسلم قلل من تلطفه معها، لأنه لو فعل لصار ذلك خرماً في المروءة ألاّ يبالي وعرضه ينهش، وإن جفا فربما ظلم أهله. "يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي".

* اللحاق بأهلها، والصبر والاحتساب لله تعالى.. مشروعية السلام على الأهل حال الدخول، واستئذان الزوجة لخروجها حتى لزيارة والديها. "ودخل علي رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏تعني سلم, ثم قال:كيف‏ ‏تيكم؟ ‏فقلت: أتأذن لي أن آتي أبوي؟"

4- تطبيق الحل الملائم من بين الحلول والبدائل المتاحة.

ارتأت أمنا البقاء في مكان الجيش لعلهم يرجعون أو نفر منهم, وفعلا حضر صفوان، ويبدو أنها ظنت أنه مُرسَل من قِبَل الجيش فركبت الجمل دون حتى أن تناقشه في الموضوع, ولهذا لم يخطر ببالها أن يقال ما قد قيل عنها، لان هذا قد أرسله الجيش ليأخذها, أما في موضوع القذف فقد طلبت من الرسول أن يأذن لها باللحاق بأهلها, وحسناً فعلت؛ لأن الموضوع كان يحتاج إلى أن يُبَتًّ فيه، طالما أن الرسول لم ينطق بوحي فيه, كما أن مواضيع مثل هذه تحتاج إلى التراخي فيها حتى تَسْكن وتهدأ، فكان اختيارها أن تذهب إلى بيت أهلها ينطوي على كثير من الحكمة والحنكة, ومما يؤيد ذلك موافقة الرسول صلى الله عليه وسلم بسرعة على طلبها.

5- التفكر في المشكلة ونتائجها وأبعادها.

* مشروعية الاستشارة والمشورة وجعلها في الثقات، خصوصاً في الملمات، ومجانبة الركون إلى حكم العقل وهوى النفس، وهذا النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي يُبلّغ الوحي من عند الله يستشير علياً وأسامة رضي الله عنهما، وهما دونه في كل شيء..

* سؤال النبي عليه الصلاة والسلام للجارية استجابة لمشورة علي رضي الله عنه، دليل حكمة، فالخدم هم أقرب الناس لمخدوميهم فلا تجمل عندهم ولا تكلف لهم، فيصيرون الأعرف بالطباع الجبلية. في قول علي: "وإن تسأل ‏ ‏الجارية ‏ ‏تصدقك"

*. طريقة المواجهة فعالة جداً ويفترض بثها أسلوباً للتعامل بين المربّين والمتربّين، وفيها حث على الصراحة والوضوح، كما أنها الأفضل غالباً في حل المشكلات، والوصول إلى نقاط تسوية، وكذلك كشف الحقائق وشرح الصدور وتطييب النفوس، خاصة إذا جمع معها الصفح عن الخطأ مع حصر الأمر على طلب الاعتراف فقط. "‏فسلم ثم جلس قالت ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلها وقد لبث شهرا لا يوحى إليه في شأني قالت فتشهد رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏حين جلس ثم قال أما بعد يا ‏‏عائشة ‏ ‏فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله وإن كنت ‏ ‏ألممت ‏ ‏بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب الله عليه".

* على المرء انتقاء ألفاظه حسب المقام وطبيعة المقال، مع مراعاة إغفال ذكر أسماء صريحة في مواضع مذمة أو شبهة أو حتى في النصح: "ما بال أقوام", وهنا استخدم النبي صلى الله عليه وسلم لفظ "أهل" على المنبر رغم أنّ الكل كان يعرف المعني بها، لكن تأدباً وتأديباً وتلطفاً وتعريضاً، بينما هو يصرح باسمها في مواقع الحمد "من أحب الناس إليك؟ قال: عائشة".

* ليس للإنسان أن يرى لنفسه رفعة على غيره وفضلاً حتى لو كان متميزاً، فهذه عائشة وفضلها كانت تقول: "كنت أرى نفسي أحقر شأناً"

* الدعوة إلى العفو والصفح والبذل وترك الاستقصاء "فما استقصى كريم قط"، حتى ينزل الله في هذا الأمر آية تتلى إلى يوم الدين. {وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [النور:22]

* حكمة زينب بنت جحش وورعها حين كفت عن عائشة. "‏وكان رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم يسأل زينب ابنة جحش‏عن أمري فقال: يا‏زينب ‏ماذا علمت أو رأيت؟ فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري ما علمت إلا خيرا"

* حيث تبين لأم المؤمنين أنها كانت على صواب فيما فكرت فيه واتخذته من قرارات, وخرجت من المشكلة أقوى مما كانت، فقد برَّأها الله من فوق سبع سماوات، ونزل فيها قرآن يُتلى, وترتب على ذلك الكثير من الأحكام والمعالجات، فكان في ذلك الخير الكثير, كما أن مثل هذه المشاكل صار لها حل معلوم يمكن اتباعه في حالة وقوعها، وهذا لم يكن الحال قبل وقوعها.

من القصة:

هناك صور متناثرة في هذه الحادثة الجلل، تبدو فيها العفوية في التعبير والبساطة والتلقائية، وأراها تستحق الرصد:

1- سب أم مسطح لابنها حين عثرت بثوبها.

2- بعد البراءة.. عائشة ترفض القيام للنبي صلى الله عليه وسلم متوشحة بكبرياء جميل.

3- غضب أبي بكر رضي الله عنه على مسطح وعزمه على قطع النفقة. فقال تعالى: {وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ الفضل مِنكُمْ والسعة..} [النور:22].

{يَأْتَلِ..} ائتلى مثل اعتلى تماماً، ومنها تألّى يعني: حلف وأقسم، يوجه الحق -تبارك وتعالى- الصِّديق أبا بكر، ويذكر لفظ {أُوْلُواْ..} الدال على الجماعة لتعظيمه لما له من فضل ومنزلة في الإسلام، ففي كل ناحية له فضل؛ لذلك أعطاه وصفيْن مثل ما أعطى للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال للصِّديق: {وَلْيَعْفُواْ وليصفحوا..}, وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: {فاعف عَنْهُمْ واصفح..} [المائدة:13].

فقوله تعالى: {أُوْلُواْ الفضل مِنكُمْ والسعة..} [النور:22] يقول للصِّديق: أنت رجل فاضل صِدِّيق، وعندك سعة فلا تعطي ولا تُؤثر على نفسك من ضيق، ولا يليق بالفاضل أن يقطع صلته ورحمه لمثل هذا الخطأ الذي وقع فيه مِسْطح، خاصة أنه أخذ جزاءه كما شرع الله، وعُوقِبَ بحدِّ القذف ثمانين جَلْدة، وليس لك أن تعاقبه بعد ذلك.

ومن سماحة الإسلام أن مَنْ وقع في حَدٍّ وعُوقِب به لا يجوز لأحد أنْ يُعيِّره بذنبه؛ لأنه تاب وأناب وطهّره الله منه بالحدِّ، وانتهت المسألة، وليس لأحد أن يدخل بين العبد وربه.

فكأن الحق -تبارك وتعالى- يقول: ارجع إلى فضلك يا أبا بكر، وعُدْ أنت إلى سعتك، وكُنْ موصولَ المروءة، ولا تقطع رحمك، يريد -سبحانه وتعالى- أنْ يُصفِّي ما في النفوس من آثار هذه الفتنة التي زلزلتْ المجتمع المؤمن في المدينة.

ولا يليق بذي الفضل والسَّعَة أنْ يعامل الناس بالعدل، فصحيح أن مِسْطح كان يستحق هذه القطيعة وهذا الحرمان، إنما هذا الجزاء لا يليق بالصِّدِّيق صاحب الفضل والسَّعَة.

ولو أجريتَ إحصاءً للمؤمنين بإله وللكافرين في الكون، ستعلم أن المؤمنين قِلَّة والكافرين كثرة، فهل قال الله تعالى لجنود خيره في الكون: أعطوا مَنْ آمن، واتركوا مَنْ كفر؟ وكأن الحق -تبارك وتعالى- يعطينا مَثَلاً في ذاته عز وجل، فكما أنه يعطي مَنْ كفر به ويرزقه، بل ربما كان أحسن حالاً مِمَّنْ آمن، فأنت كذلك لا تمنع عطاءك عَمَّنْ أساء إليك.

فإنْ كنت بارّاً بأحد وبدر منه شيء فلا تحلف بالله أنك لا تبرُّه، فقد تهدأ ثورتك عليه، وتريد أنْ تبرَّه، وتتحجج بحلفك، إذن: لا تجعلوا الله عُرْضة لحلف يمنعكم من المعروف.

ثم يقول سبحانه: {أَن يؤتوا أُوْلِي القربى والمساكين والمهاجرين فِي سَبِيلِ الله..} [النور:22] صحيح أن مِسْطح من ذوي قُرْبى أبي بكر ومن المساكين، لكن يعطيه الله نيشاناً آخر، فلم يخرجه مَا قال من وصف المهاجر، ولم يخرجه ذنبه من هذا الشرف العظيم.

4- خطر الإشاعة على الأمة في دينها ووحدتها.

5- الكيد والمكر الكبار من المنافقين للأمة الإسلامية.

6- خطر الإعلام وعظم شأنه وتأثيره.

7- أن مسألة المرأة ونشر السوء والفاحشة مسألة استراتيجية في خلد المنافقين منذ ابن سلول وحتى ينفخ في الصور.

8- لم يأتِ في القصة ذكر لأمر صفوان وما أصابه من أذى الناس، رغم أنه مبتلى، فلم يا ترى؟ والموضع الوحيد الذي ذكر فيه بعد مجيئه المدينة حين قال النبي: «عن رجل ما علمتُ عليه إلا خيراً».

____________________________

المراجع:

1- حادثة الإفك آداب و أحكام الدكتور عبد الستار الجنابي

2- رؤية عصرية لحادثة الإفك عزيز محمد أبو خلف

3- حـادثــة الإفــك!!"تأملات تربوية" إكرام الزيد.

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
حادثة الإفك دروس وعبر
الأحد 6 ربيع الأول 1433هـ الموافق:29 يناير 2012م12:01:27 بتوقيت مكة
قدوة للعالمين 
إلى كل من رميت واتهمت في عرضها وهي من ذلك براء لتكن ما تعرضت له أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قدوة لك وسلوى .
 

* تنبيهات هامة:

1.    يتم قبول التعليقات المكتوبة باللغة العربية فقط.

2.    أي تعليق يحتوي تجريح او إساءة إلى شخص لن يتم نشره.

3.    أقصى حد لقبول التعليق لا يتجاوز 800 حرف.

4.    الالتزام بالموضوعية والجدية في التعليق.

5.    لن يتم اعتماد اي تعليق يخرج عن اطار الموضوع.

6.    الاستفسارات والطلبات والاقتراحات يمكن إرسالها على بريد الموقع، وسيتم تجاهل الرد عليها في التعليقات.

الاسم:  
البريد الإلكتروني: 
نص التعليق: 
 
   Refresh