الشيخ صالح صواب

الشيخ عيسى بن معافا شريف

الشيخ أنور الخضري

الشيخ محمد الحاشدي

الشيخ أحمد بن حسن المعلم

الشيخ أكرم مبارك عصبان

الشيخ عبد المجيد بن عزيز الزنداني

الشيخ عبدالله بن فيصل الأهدل

الشيخ عقيل بن محمد بن زيد المقطري

الشيخ علي بن محمد عبد الله بارويس

الشيخ محمد بن موسى العامري

الشيخ مراد بن أحمد العسيري القدسي

الشيخ ناصر العاهمي

الشيخ إسماعيل بن عبدالباري

الشيخ صالح الظبياني

الشيخ صالح باكرمان

الشيخ خالد بن محمد الصادقي

الشيخ صالح بن مبارك دعكيك

الشيخ عبد الله بن محمد الحاشدي

الشيخ عبد المجيد بن محمود الريمي

الشيخ عبد الوهاب بن لطف الديلمي

الشيخ عبد الوهاب بن محمد الحميقاني

الشيخ علي بن محمد مقبول الأهدل

الشيخ كمال بن عبد القادر با مخرمة

الشيخ محمد الصادق مغلس

الشيخ محمد بن إسماعيل العمراني

الشيخ أحمد بن عبد الله القاضي

الشيخ أمين بن عبد الله جعفر

الشيخ عبد السلام بن مقبل المجيدي

الشيخ محمد بن علي الوادعي

الشيخ محمد بن ناصر الحزمي

الشيخ نادر بن سعد العمري

الشيخ أحمد بن علي معوضة

الشيخ أحمد بن محمد المصباحي

الشيخ خالد بن محمد الوصابي

الشيخ حسين بن علي الزومي

الشيخ عبد الرحمن بن سعيد البريهي

الشيخ عبد الرحمن علي العرومي

الشيخ عبد الله بن محمد اليزيدي

الشيخ علي بن محمد المطري الأعروقي

الشيخ عوض بن محمد بانجار

الشيخ ناظم عبد الله باحبارة

الشيخ عبد الله بن غالب الحميري

الشيخ أحمد بن علي برعود

الشيخ حسن بن محمد شبالة

  
  
 
 
18900707
 
 
 
 
الشيخ/ أكرم بن مبارك عصبان
الخميس 12 يناير 2012

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين وبعد...

فهذا بحث موضوعه مسألة النذر لبعض الأولاد التي خاض فيها فقهاء اليمن، وصدروا عنها بخلاف دائر بين الصحة والبطلان، وقد استقر العمل بالصحة لدى كثير من المتأخرين فتهافت الناس على استنساخها، ودخل بذلك الفساد في حرمان بعض الأولاد فحصل النزاع بينهم، وانشغلوا بما تضمنه النذر من تفضيل بعضهم عن أواصر الأخوة والمحبة التي يجب أن تسود، واستحال صفو العيش خصاما عاقهم عن المودة إلى تتبع مدارس الشيوخ للفتيا ومجالس القضاة للحكم، فهم ما بين واديا يقطعونه للحكم وناديا يشهدونه للفصل بينهم.

والبحث ذو أهمية بالغة، وقيمة يكتسبها من الناحية العلمية التي حواها، وتزداد أهميته العلمية إذا انضم إليها الفائدة العملية، وذلك حين يقدم إسهاما في معالجة النزاعات التي تنشأ غالبا من الأولاد الذين حرموا، وقد جعلت القيمة العلمية في بيان مسألة النذر لبعض الأولاد بين الصحة والبطلان، وشفعتها بالناحية العملية في تقديم حل لآثاره في الواقع قبل أن يلج ساحة القضاء، وسجلت إعجابي للمحاكم الشرعية بالسلطنة القعيطية في حضرموت التي نصت في قوانينها على هذه المسألة.

ويكشف هذا البحث لنا عن الثروة العلمية التي امتلكها علماء اليمن لاسيما في الفقه، وما وصلوا إليه من مكانة عالية حين جادوا لنا في الفتاوى في شأن هذا النذر بمادة فقهية وأصولية كبيرة، وقد رغبت في أن أجعل هذا البحث بين طائفتين متقابلتين أخذت من كل طائفة أدلتها التي اعتمدت عليها حتى إذا رضيت بما توفر لي من أقوال صغتها على شكل سجال علمي رصين، تكر فيه كتائب النصوص على موارد القياس، وتصول فيه الفرسان في ساحة البحث والمناظرة، ويبدو في المعترك إيجاف خيل القواعد وركاب الشواهد، لينجلي بعد ذلك التدقيق عن مرام التحقيق ووضوح الطريق فلا تبقى لنا الخيرة بعد علو رأيه الصواب إلا أن نمشي خلفها.

فهذه ثلاث مراتب بين يدي المعنيين وهي أن يعيدوا النظر إلى هذا التأليف لمعرفة تفاصيل ما في أيديهم من نذر، فإن طال عليهم الكلام يمموا نحو مدارس الفتاوى الرشيدة التي تقوم على ساق النصوص، فإن لم يمدوا باعا للقبول، فليغشوا مجالس القضاء حيث يفصل بينهم بالمواد التي بنيت على مصالح العباد، وفي هذه المراتب الثلاث -التأليف والإفتاء والقضاء- فإن الحكم واحد.

وإن مما بعثني على تقييده ما رأيته في مجالس شيخنا الفاضل علي سالم بكير من كثرة المسائل عليه في هذا النوع من النذر، فتراه لا يكاد يقطع دابر الخلاف بين متنازعين حتى تقبل عليه قوافل متخاصمين تقلهم سيارة واحدة قد ضاقوا ذرعا بالخلاف فرجوا من ذلك الخلاص، وما تنطفئ جذوة الخصام من عقد حتى تشتد أوارها في قطعة أخرى من رقعة استودعها صاحبها هذا الفتيل، وقد أخرجها من توهم أنها تقضي له بالمنذور من معاطف ثوبه بعدما أسرها بضاعة! ولا يدري أن للبطلان فيها مجال وأي مجال، وهكذا لا تنفك تتوالى المسائل في هذه الدائرة المفرغة.

ومما حفزني أيضا على العمل في هذه النبذة ما رأيته محررا في عقد بيع العهدة الذي أملاه يراع شيخنا عبد الرحمن بكير، وأجاد في البحث فيه إجادة تغني عن غيره، ولما كان النذر الذي نحن بصدد الحديث عنه لا يقل شأنا عن بيع العهدة من حيث رواجه في حضرموت وعموم البلوى به فإنني جمعت ما تقر به عين القارئ إن شاء الله، ويحسم مادة الخلاف الناشئة بين ذوي الأرحام.

والذي أرجوه من ثمار يؤتيها البحث في هذا الموضوع يمكن تلخيصها فيما يلي:

- أن يكشف عن شمس العلم التي سطع نورها في اليمن فشارك فقهاؤها بالمناقشة في المسائل الفقهية.

- بيان الحجج العلمية ومناقشتها في المسائل الاجتهادية التي تطرح على بساط النقاش ولا تنكر باليد.

- الإسهام العملي في وضع دواء للأدواء التي تنضح من تعاطي هذا النذر وتقطع به الأرحام.

ولا يضيقن امرؤ برواية الخلاف في المسائل الاجتهادية وتحرير المناط ابتغاء الصحيح فقد قال قتادة: "من لم يعرف الاختلاف لم يشم الفقه بأنفه", وقال ابن أبي عروبة: "من لم يسمع الاختلاف فلا تعدوه عالماً" وعن هشام الرازي: "فليس بفقيه".

وقد عقدته في فصول حتى يسهل النظر فيه، والفصول على النحو التالي:

- الأول: النذر (تعريفه - أركانه - أقسامه - شروطه - حكمه - أحكامه).

- الثاني: نشأة المسألة وظهورها وبداية الخلاف فيها ثم اشتهاره.

- الثالث: القائلون ببطلان النذر لبعض الأولاد وبيان حججهم التي أوردوها.

- الرابع: القائلون بالصحة وبيان حججهم أيضا.

- الخامس: المناقشة بين الفريقين.

- السادس: معالم تميل بالبحث نحو الترجيح.

- السابع: ذكر قول ثالث يقضي بالتخيير، وفيه أجمل الفتاوى.

- الثامن: النذر يلج قاعة القضاء ثم الخاتمة.

والله سبحانه وتعالى نسأل القبول والإخلاص وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

الفصل الأول

نتحدث في هذا الفصل عن أحكام النذر، والمسائل التي يبحثها حتى تعيننا على فهم بحثنا في النذر لبعض الأولاد، ونكشف اللثام هنا عن أحكامه المهمة التي تكون مقدمة ومدخل للموضوع، فنستطيع أن ندرج مسألتنا في بابها الخاص بها، وحتى نصل إلى المقصود وجب علينا تفصيل القول في ما يلي:

تعريفه:

النذر لغة هو الوعد بخير أو شر.

وشرعا هو التزام قربة غير لازمة بأصل الشرع.

والأصل في مشروعيته آيات كقوله تعالى: {وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ} [الحج:29]، وقوله: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ} [الإنسان:7]، وأحاديث كثيرة منها ما رواه البخاري مرفوعا من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه.

أركانه:

أركانه ثلاثة ناذر ومنذور وصيغة.

وشرط الناذر أن يكون مكلفا مسلما مختارا نافذ التصرف فيما ينذره وإمكان فعله.

فلا يصح من صبي ومجنون وكافر ومكره.

والصيغة لا بد منها في النذر فلا ينعقد بالنية بل لا بد من التصريح بالنذر.

وقد اعترض على شرط الإسلام فقيل إن نذر الكافر ينعقد بدليل أنه يفعله إذا أسلم بعد ذلك ولو كان غير منعقد لما كان له أثر في الإسلام قال عمر رضي الله عنه يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن اعتكف ليلة في المسجد الحرام، قال: «أوف بنذرك» [رواه البخاري]، وحمل بعضهم ذلك على الإباحة والجواز ومنهم الشافعية؛ لأن نذر الكافر لا يصح لإيجاب القربة وهي غير متحققة فيه.

شرطه:

يشترط أن يكون المنذور قربة وطاعة لله.

فلا يصح النذر في الأمر الواجب كالصلوات الخمس وصوم رمضان؛ لأنه لا أثر لنذره؛ لأن الله تعالى قد أوجب ذلك، وهو أعظم من إيجابه بالنذر.

ولا ينعقد النذر في المعصية ولا يجوز الوفاء به لحديث عائشة مرفوعا «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه» [رواه البخاري]، وعن عمران بن الحصين عند مسلم مرفوعا «لا نذر في معصية الله».

وأما المكروه فلا يجوز الوفاء به أيضا؛ لأنه لا نذر إلا فيما ابتغي به وجه الله.

ولا يلزم الإيفاء بنذر الأمر المباح لما رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب إذ هو برجل قائم فسأل عنه فقالوا أبو إسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم، ويصوم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مروه فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه».

وهذا يدل على أنه لا يلزم الوفاء بالنذر في المباح كقوله لا آكل لحما، ولا أشرب لبنا، وأجابوا عن حديث المرأة التي نذرت أن تضرب الدف على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه لما حصل السرور بقدومه وأغاظ المنافقين بذلك كان من القرب، قال البيهقي يشبه أن يكون إذنا لها في ذلك لما فيه من إظهار الفرح بالسلامة، ولا يلزم من ذلك القول بانعقاد النذر به.

وإظهار الفرح بعود النبي سالما معنى مقصود يحصل الثواب به، والحديث أخرجه أحمد والترمذي من حديث بريدة أن امرأة قالت يا رسول الله إني نذرت أن أضرب على رأسك بالدف، فقال: «أوف بنذرك»، زاد أن ذلك وقت خروجه في غزوة فنذرت أن رده الله سالما، وفي رواية لأحمد: «إن كنت نذرت فاضربي وإلا فلا»، وفي آخر الحديث أن عمر رضي الله عنه دخل فتركت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الشيطان ليخاف منك يا عمر».

ويشترط أيضا أن يكون الناذر مالكا للمنذور به، فلا نذر فيما لا يملكه لما روى مسلم في صحيحه في حديث المرأة الأنصارية التي أسرتها ثقيف وكانت العضباء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم أصيبت، فكانت المرأة في الوثاق، وكان القوم يريحون نعمهم بين يدي بيوتهم، فانفلتت ذات ليلة من الوثاق فأتت الإبل فجعلت إذا دنت من بعير رغا فتتركه حتى تنتهي إلى العضباء فلم ترغ فقعدت في عجزها ثم زجرتها فانطلقت، فطلبوها فأعجزتهم، ونذرت لله إن نجاها الله عليها لتنحرنها، فلما قدمت المدينة رآها الناس فقالوا العضباء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت إنها نذرت إن نجاها الله لتنحرنها، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا ذلك له فقال: «سبحان الله بئسما جزتها، نذرت لله إن نجاها الله عليها لتنحرنها، لا وفاء لنذر المعصية، ولا فيما لا يملك العبد».

وهو صريح في عدم الوفاء بمن نذر بما لا يملكه، ويؤيده حديث ثابت بن الضحاك مرفوعا «لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا في قطيعة رحم، ولا فيما لا يملك ابن آدم»، قال الحافظ في بلوغ المرام [رواه أبو داود والطبراني واللفظ له، وهو صحيح الإسناد]، وله شاهد من حديث كردم عند أحمد.

ولفظ أبي داود أن رجلا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم نذر أن ينحر إبلا ببوانة، فأتى النبي فقال إني نذرت أن أنحر إبلا ببوانة، فقال: «هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟»، قالوا: لا، قال: «هل كان فيها عيدا من أعيادهم؟»، قالوا: لا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أوف بنذرك فإنه لا وفاء لنذر معصية، ولا فيما لا يملك ابن آدم». وفيه أن من نذر أن ينحر تقربا إلى الله في مكان معين فلا بأس بإيفائه بنذره ما لم يكن فيه وثن للكفار أو عيد لهم.

أقسامه:

النذر نوعان تبرر ولجاج.

ونذر التبرر نوعان أيضا هما

- نذر مجازاة وهو أن يلتزم قربة في مقابلة حدوث نعمة، أو اندفاع بلية كقوله إن شفى الله مريضي فلله علي صوم أو صلاة أو صدقة.

- والنوع الثاني أن يلتزم ابتداء من غير تعليق على شيء، فيقول لله علي أن أتصدق.

وأما نذر اللجاج والغضب فهو أن يمنع نفسه من شيء، أو يحثها عليه بتعليق التزام قربة كقوله إن فعلت كذا أو إن لم أفعل فلله علي كذا، وهو مخير بين الوفاء بما نذر وبين كفارة يمين.

قال النووي في شرح مسلم في حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه مرفوعا كفارة النذر كفارة اليمين اختلف العلماء في المراد به فحمله جمهور أصحابنا على نذر اللجاج، وهو أن يقول إنسان يريد الامتناع من كلام زيد مثلا إن كلمت زيد مثلا فلله علي حجة أو غيرها فيكلمه، فهو بالخيار بين كفارة يمين وبين ما التزمه هذا هو الصحيح في مذهبنا، وحمله مالك وكثيرون على أن النذر المطلق كقوله علي نذر، وحمله أحمد وبعض أصحابنا على نذر المعصية كمن نذر أن يشرب خمرا، وحمله جماعة من فقهاء أصحاب الحديث على جميع أنواع النذر، وقالوا مخير في جميع المنذورات بين الوفاء وما التزم وبين كفارة اليمين والله أعلم.

الوفاء بالنذر

فإذا استوفى النذر شروطه وانعقد لزم الناذر ما التزم به عند وجود المعلق في نذر المجازاة، وفورا في النوع الثاني لقوله تعالى: {وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ} [الحج:29]، وصيغة الأمر تدل على وجوب الإيفاء بالنذر، وقال تعالى: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ} [الإنسان:7]، وقال: {وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللّهَ يَعْلَمُهُ} [البقرة:270]، وقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث السابق: «من نذر أن يطيع الله فليطعه»، وهذه النصوص توجب الوفاء بالنذر وتثني على صاحبه، وأما من نذر أن يعصي الله فلا يعصه، قال ابن رسلان في (الزبد):

أو نجز النذر كللّه علي صدقة *** نذر المعاصي ليس شيء

حكم النذر

النذر من العقود المأمور بالوفاء بها، المثني على فاعلها كما ذكر آنفا ولكن وردت أحاديث تنهى عن النذر فوجب الجمع بين الأمرين منها ما رواه البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال أو لم ينهوا عن النذر؟، إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن النذر لا يقدم شيئا ولا يؤخر شيئا، وإنما يستخرج بالنذر من البخيل».

وفي البخاري أيضا عن ابن عمر قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النذر، فقال لا يرد شيئا ولكنه يستخرج من البخيل، ومنها حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا: «لا يأتي ابن آدم النذر بشيء لم أكن قدرته، ولكن يلقيه النذر إلى القدر قد قدر له، فيستخرج الله به من البخيل فيؤتى عليه ما لم يكن يؤتى على غيره»، وعند مسلم عن ابن عمر قال: أخذ رسول الله يوما ينهانا عن النذر ويقول: «إنه لا يرد شيئا وإنما يستخرج من البخيل»، وفي لفظ «لا يأتي بخير».

وهذه الأحاديث فيها الدلالة على نهيه عليه الصلاة والسلام من الإقدام على النذر، وقد نص فيها على العلة في كونه لا يأتي بخير، وأنه يستخرج به من البخيل، وقد اختلف العلماء في حكم الإقدام على النذر فذهب أكثر الشافعية أنه مكروه كما نص عليه النووي، وقال القاضي والمتولي والغزالي أنه قربة وهو قضية قول الرافعي في قوله والنذر قربة فلا يصح من الكافر، وذهب المالكية إلى جواز نذر المندوبات إلا الذي يتكرر دائما كصوم يوم من كل أسبوع، وجزم الحنابلة بالكراهة.

وقد سبق الثناء على أصحابه ووجوب الوفاء به كقوله تعالى: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ} [الإنسان:7]، ومن ذلك حديث عمران بن الحصين عند البخاري مرفوعا: «خيركم قرني ثم الذين يلونهم» -لا أدري ثنتين أو ثلاثا- «ثم يجئ قوم ينذرون ولا يوفون»، قال النووي في شرح هذا الحديث فيه وجوب الوفاء بالنذر وهو واجب بلا خلاف وإن كان ابتداء النذر منهيا عنه كما سبق في بابه....

والجمع بين هذه النصوص التي تثني على فاعله، وما ورد من أحاديث تنهى عنه يتضح من تقسيم نذر التبرر إلى نوعين هما معلق بحصول نفع أو دفع ضر كقوله إن شفى الله مريضي فلله علي كذا، والثاني ليس معلقا على نفع، وهو أن يقول الناذر ابتداء لله علي صوم كذا، فإذا وقع فلا بد من الوفاء به، فيترجح أن النهي عن الإقدام على النذر إنما هو الذي يدور مع العلة المنصوص عليها، وهي أنه لا يرد شيئا من القدر، فإذا وقع استخرج به من البخيل، وهذا يعود إلى النوع الأول المسمى بنذر المجازاة حيث لم يقع خالصا للتقرب إلى الله بل بشرط حصول النفع للناذر، خلافا للثاني وهو نذر القربة الخالصة من غير اشتراط النفع وهو الذي فيه الترغيب والثناء على أهله، وهذا التفصيل قال به جماعة من العلماء نذكرهم على النحو التالي:

- جزم القرطبي في المفهم بحمل ما ورد في الأحاديث من النهي على نذر المجازة فقال: "هذا النهي محله أن يقول مثلا إن شفى الله مريضي فعلي صدقة كذا، ووجه الكراهة أنه لما وقف فعل القربة المذكور على حصول الغرض المذكور ظهر أنه لم يتمحض له نية التقرب إلى الله تعالى لما صدر منه، بل سلك مسلك المعاوضة، ويوضحه أنه لو لم يشف مريضه لم يتصدق بما علقه على شفائه، وهذه حالة البخيل فإنه لا يخرج من ماله شيئا إلا بعوض عاجل يزيد على ما أخرج غالبا، وهذا المعنى هو المشار إليه في الحديث لقوله إنما يستخرج به من البخيل ما يكن البخيل يخرجه.

قال: "وما عدا هذا من أنواعه كنذر اللجاج كمن يستثقل عبده فينذر أن يعتقه ليخلص من صحبته، فلا يقصد القرب بذلك أو يحمل على نفسه فينذر صلاة كثيرة أو صوما مما يشق عليه فعله ويتضرر بفعله فإن ذلك يكره وقد يبلغ التحريم.." إ.هـ.

- قال ابن دقيق العيد في سياق حديثه عن النهي الوارد في بعض النصوص: "وفيه إشكال على القواعد فإنها تقتضي أن الوسيلة إلى الطاعة طاعة كما أن الوسيلة إلى المعصية معصية والنذر وسيلة إلى التزام القربة فيلزم أن يكون قربة إلا أن الحديث دل على الكراهة ثم أشار إلى التفرقة بين نذر المجازة فحمل على النهي عليه وأما نذر الابتداء فهو قربة محضة فهو المثني على صاحبه".

- قال ابن الأثير: "يقال نذرت أنذر وأنذر نذرا إذا أو جبت على نفسي تبرعا من عبادة أو صدقة أو غير ذلك، وقد تكرر في أحاديث ذكر النهي عنه وهو تأكيده لأمره وتحذير عن التهاون به بعد إيجابه، ولو كان معناه الزجر عنه حتى لا يفعل لكان في ذلك إبطال حكمه وإسقاط لزوم الوفاء به إذ كان بالنهي يصير معصية فلا يلزم، وإنما وجه الحديث أنه قد أعلمهم أن ذلك أمر لا يجر لهم في العاجل نفعا ولا يصرف عنهم ضرا ولا يرد قضاء فقال لا تنذروا على أنكم قد تدركون بالنذر شيئا لم يقدره الله لكم أو تصرفون به عنكم ما جرى به القضاء عليكم فإذا نذرتم ولم تعتقدوا هذا فأخرجوا عنه الوفاء فإن الذي نذرتموه لزم لكم".

وهكذا تم ترجيح الجمع بين الحث على النذر وما ورد من نصوص النهي بما سبق لأمور هي:

- أن الأحاديث التي تنهى عنه وردت معللة بقرينة تدل على نذر المجازاة وهي أن النذر لا يرد شيئا من القدر، فالناذر أراد جلب نفع أو دفع ضر وما قضى الله واقع لا محالة، فإن كان حصل المعلق فإنه يستخرج بذلك من البخيل.

- أقوال العلماء في ذلك واضحة بذلك حتى تنتظم الأدلة والله أعلم...

النذر عبادة

لا يخفى على القارئ أن النذر عبادة، فلا يجوز صرفه لغير الله إذ هو مما يتقرب به إلى الله وحده، ويبتغى وجهه تعالى خالصا، والنذر لغير الله شرك، ولقد حاد من نذر للأموات عن الجادة وتنكب صراط التوحيد، قال الصنعاني في تطهير الاعتقاد: "والنذر بالمال على الميت ونحوه والنحر على القبر والتوسل به، وطلب الحاجات منه هو بعينه الذي كانت تفعله الجاهلية وإنما كانوا يفعلونه لما يسمونه وثنا وصنما، وفعله القبوريون لما يسمونه وليا وقبرا ومشهدا".

واشتد نكير الشوكاني في شرح الصدور على صاحب النذر الذي لا يبتغي به وجه الله، "وأن ذلك من النذور التي يستحق بها فاعلها غضب الله وسخطه؛ لأنها تفضي بصاحبها إلى ما يفضي به اعتقاد الإلهية في الأموات من تزلزل قدم التوحيد، إذ لا يسمح بأحب أمواله وألصقها بقلبه إلا وقد زرع الشيطان في قلبه من محبة وتعظيم وتقديس ذلك القبر وصاحبه والمغالاة في الاعتقاد فيه ما لا يعود به إلى الإسلام سالما".

وإنما تطرقت إلى هذه الإشارة نظرا لما يذكره بعض الفقهاء في باب النذر من مسألة النذر على القبور والمشاهد -وهي مما عم البلاء بها وشاع لدى بعض العوام تعاطيه- ويعلق هؤلاء الفقهاء الحكم على مقصود الناذر ويقررون جوازه إن كان هناك من ينتفع به من زائر ونحوه بخلاف إن قصد به تمليك الميت أو القبر أو المشهد فإنه باطل لعدم صحة تمليكه، ولكن الصنعاني يذهب إلى سد الذرائع المفضية إلى تعظيم الموتى بالنذر مطلقا، وقضية كلامه رد هذا التفصيل؛ لأنه تدليس على الناذر وإيهام أن الولي ينفعه ويضره قال فأي تقرير لمنكر أعظم من قبض النذر على الميت.

وفي هذا المضمار يأتي ما اعترف به الأذرعي من صنيع العامة الذي يجب مراعاته في تقرير مثل هذا الحكم فقال: "وأما النذر للمشهد الذي يثبت على قبر ولي أو نحوه فإن قصد الناذر بذلك التنوير على من يسكن البقعة أو يرد إليها فهو نوع قربة وحكمه ما ذكر أي الصحة، وإن قصد به الإيقاد على القبر ولو مع قصد التنوير فلا، وإن قصد به -وهو الغالب من العامة- تعظيم البقعة أو القبر أو التقرب إلى من دفن فيها أو نسبت إليه فهذا نذر باطل غير منعقد فإنهم يعتقدون أن لهذه الأماكن خصوصيات لأنفسهم ويرون أن النذر لها مما يندفع به البلاء".

وقد ورد النهي عن الإسراج على القبر فلينتبه لما ذكره، وتأمل إشارته إلى وقوع الأغلبية في المحذور دون أن يميزوا بين قسميه فإنه مهم، وأهم منه إلغاء هذا القيد المذكور من قصد الناذر على القبر والحكم ببطلان النذر مطلقا على القبر؛ لأن معتقدهم أن لهذه الأماكن خصوصيات ويرون أنه مما يندفع به البلاء فنذر الزيت والشمع ونحوهما للقبور باطل مطلقا إذ لا يقصد بالإيقاد على القبر إلا من يظن التعظيم لها قربة، وهذا مما لا ريب في بطلانه والإيقاد المذكور محرم سواء انتفع به منتفع أم لا كما نقل ذلك محمد بن أحمد بأفضل في دعوة الخلف.

وقد ألمح إليه أبو بكر الخطيب التريمي في الفتاوى النافعة: "من أن القرب إنما يتقرب بها إلى الله تعالى لا إلى خلقه قال ومثل ذلك ما إذا كان المتصدق به شمعا أو زيتا ومثله السليط والقاز عندنا وقصد به الإسراج للتنوير تعظيما للبقعة أو التقرب إلى من دفن فيها أو نسبت إليه كما يعتقده بعض العامة، فإنهم يعتقدون أن لهذه الأماكن خصوصيات بنفسها، ويرون أن التصدق عليها مما يندفع به البلاء..، ثم عقب على قول الكردي في زعمه أن الناذرين للمشايخ والأولياء لا يقصدون تمليكهم لعلمهم بوفاتهم فرد عليه ردا قويا بقوله أقول وأنت خبير بأن العامي الجاهل الصرف يخفى عليه ملاحظة أن هذا التصدق لا ينعقد إلا في القرب، ومعرفة ما هو قربة وغير قربة، فلينتبه لما يجيئون به للولي أو قبره أو مشهده وهو ميت، فإن الغالب أنهم يقصدون به تعظيم ذات الولي أو قبره أو مشهده وذلك باطل كما تقدم والله أعلم بالصواب" إ. هـ.

فيا له من كلام نفيس، وتقرير مفيد ينبغي أن نشد على أيدينا به، ونحذر ما يزخرفه لنا من يقصدون تعظيم القبور بالنذر.

وقبل أن نغادر هذا المبحث نعرج على صورة النذر لبعض الأولاد وفق المعطيات السابقة التي اتضحت في الفصل الأول إذ هي المقدمة الأساسية للوصول إلى المقصود، والدخول في البحث المنشود فليكن ما ذكرناه على بال.

صورة مسألة البحث

تتلخص مسألة البحث في النذر لبعض الأولاد إذا لم تكن هناك حاجة داعية للتفضيل -كأن يحتاج الولد لزم انته مثلا أو نحو ذلك- وتندرج هذه المسألة في النوع الثاني من نذر التبرر، وتصدر صيغة هذا النذر بقول الناذر نذر وتبرر فلان لابنه فلان بكذا وكذا....

وعلينا أن نستصحب مما سبق في هذا النذر ما يلي:

- أن هذه الصورة تندرج في فروع نذر التبرر الذي يكون ابتداء من غير تعليق على شيء خلافا لنذر المجازاة.

- استوفت هذه الصورة الصيغة الصريحة في نذر التبرر، وينبغي النظر فيما يتعلق بشروط الناذر من أهليته التي يجب توفرها.

- بقي شرط المنذور كونه قربة وهو الذي يتردد فيه النزاع، والمناط الذي نريد تحرير موضعه وحكمه الصحيح، مع وجوب الأخذ بعين الاعتبار بأن النذر لا ينعقد في المباح فضلا عن المكروه والحرام.

وسينصرف الحديث عن هذا النذر وتفصيل القول بين معارضيه القائلين بالبطلان ومؤيديه الحاكمين بالصحة، من خلال التعرض لمدى توافر ما ذكرناه من شروطه المعتبرة، ومن ثم الحكم عليه على وفق ما قاله الناظم:

ولا يتم الحكم حتى تجتمع كل الشروط والموانع ترتفع

وإذا أخذنا من الفصل الأول التفصيل في أحكام النذر، والاتفاق على عدم انعقاده في المعصية والمكروه والمباح، فإننا قادمون على النزول من هذا العموم إلى تخصيص النذر لبعض الأولاد بالحديث، والله تعالى نسأله التوفيق.

الفصل الثاني

يحسن بنا أن نخصص الفصل الثاني في لمحة تاريخية موجزة نسلط من خلالها الضوء على نشأة هذا النذر، ثم انتشار الخلاف فيه والعمل به بقدر ما تسعفنا به كتب الفتاوى المعول عليها في هذا الفصل لأنها مظنة ذكره إذ يعد النذر لبعض الأولاد من الحوادث التي استجدت، والنوازل التي وقعت فوجب الاجتهاد من قبل الفقهاء في استفراغ الجهد طلبا للحكم لأن متون الفقه لا تشير إلى هذا النوع فضلا عن الإفاضة فيه، وهو فصل يحتاج إلى السفر في بطون الفتاوى لنتمكن من الظفر بالغنيمة المرجوة، ونستعين بكتب التراجم والتاريخ للرجوع إلى حال الفقهاء الذين عنوا بالقول فيه حتى نستطيع أن نحدد النشأة والانتشار، فإن سددنا الرمي وإلا فالمقاربة متحصلة بإذن الله تعالى.

نشأة النذر لبعض الأولاد:

النذر بهذه الصورة المذكورة لم يكن معروفا لدى الفقهاء المتقدمين، ولذلك لم ترد صورة النذر إلا مطلقة في الصحة حيث يكون المنذور به قربة، ولم يكونوا مدققين كحال المتأخرين ممن خاض فيه، وإلى إطلاق صحة النذر حيث كان المنذور به قربة يرجع ما ذكره النووي في الروضة في آخر كتاب النذر من قول القائل إن شفى الله مريضي فلله علي أن أتصدق على ولدي، قال لزمه النذر، وقد حمله ابن حجر الهيتمي في التحفة على أحد ثلاثة أمور مراعاة لتحقق القربة المذكورة وهي إذا لم يكن له إلا ولد واحد، أو سوّى بينهم، أو فضله لوصف يقتضيه.

وهذا القول يخرج من مشكاة العدل، وليس هو من دائرة النذر الذي نحن بصدد البحث فيه؛ لأن ما أطلقه ينبغي أن يحمل على تحقق القربة، ولذا زاده ابن حجر شرحا بذكر الأمور الثلاثة المشار إليها، وهو هنا بصيغة المجازاة، ولا يمت لتفريعات المتأخرين بصلة.

وفي قلائد الخرائد لعبد الله بن محمد باقشير ت 958هـ نقلا عن يوسف الجياني الإشارة إلى إطلاق الصحة دون التدقيق؛ لأن ما ورد به مستوفى الشروط فقال ما نصه ولم يكن المتقدمون يعرجون على ذلك بل يطلقون صحة النذر حيث كان المنذور به قربة، ولم ينظروا للمقاصد والذرائع بل سدوها، ولم يفرقوا بين قاصد ومقصود تبعا لإمامهم الشافعي.

وهكذا نستطيع الجزم بأن هذا صورة النذر لم تكن معروفة سابقا لعدم ورودها مع وجود المقتضى لذكرها لأهميتها، وانتفاء الموانع لإيرادها، فلم يعرج أحد إلى نقلها مع التعرض للتوليدات والمسائل المحال وقوعها أحيانا مما يدل على أنها نازلة من الحوادث التي تحتاج إلى إعمال النصوص فيها والنظر في المقاصد أيضا، وهذا يستوجب جمع أطرافها ولا يركن المرء إلى مجرد العزو لمن يطمئن إليه.

بداية الظهور

يمكن القول إن ظهور هذا النذر في اليمن يرجع إلى منتصف القرن الثامن الهجري على الأرجح إذ أن أقدم من نقلت عنه فتوى في هذا الباب ترجع وفاته إلى سنة 748هـ وهو فقيه عدن أبو عبد الله محمد الذهيبي المشهور بالبصال وتبعه في ذلك مفتي تعز وزبيد الذي انتهت إليه رئاسة التدريس الإمام أبو عبدالله الريمي ت 792هـ، ووافقه تلميذه الشيخ أبو بكر الخياط ت 811هـ، وكان المعتمد في الفتوى بالبطلان قولا واحدا من غير إشارة إلى خلاف.

وهذه الفترة لم يكن الخلاف فيها قد ظهر لعدم من نازع في البطلان، فلم تدرج في كتب الفوائد أصلا، وهذا الأمر الذي يفسر لنا خلو كتاب النفائس للأزرق ت 810هـ منها مع حرصه البالغ على تقييد كل نفيسة، ولم ترد عنده إلا بالإطلاق على سبيل الأقدمين في باب الهبة قال لو نذر لولده شيئا فهل له الرجوع أم لا....

ولكننا نجد بعد ذلك اختيار تلميذه حسين عبد الرحمن الأهدل ت 855هـ القول بالبطلان.

ولم يكن تقريرها مقصورا على مراكز العلم المشهورة بل هناك في حبان من أرض شبوة يبدو لنا الفقيه إسماعيل بن محمد الحباني مشاركا في بطلان هذا النذر وهو كالجوهرة الضائعة بين تلك الجبال على حسب تعبير الرسالة السلطانية التي ورد على أثرها مرسوم بتولية المذكور القضاء من باب بروم إلى باب أبين وكان ذلك في العاشر من محرم سنة 815هـ وفيه ذلك دلالة واضحة على المشاركة في شأن ظهور العقد وانه بلغ أطراف البلاد.

ولم يشر أحد إلى تاريخ الظهور وإنما رجحت نشأتها بهذه الفترة لأن الفتاوى للمتأخرين التي تعنى بها وتذهب إلى ذكر الخلاف فيها قد جادت لنا بذكر هؤلاء العلماء دون التفصيل في الأدلة التي اعتمدوا عليها، مما يدل على عدم رواج سوقها بعد، وما هي إلا أسئلة وردت الشيوخ فأجابوا عنها ودونت إجابتهم كما نقلت بما تقتضيه عادة النشأة.

اشتهار الخلاف

ما انتشر هذا النذر واشتهر أمره عن قوم ما انتشر عند فقهاء اليمن في النصف الثاني من القرن التاسع الهجري، وقد كان المعتمد في الفتوى قبل هذا الانتشار القول ببطلان النذر لبعض الأولاد كما سبق، وقد برز هنا فريقان كان الأغلب عليهم التمسك بالأصل الذي وجد قبل نزاعهم، ولذا ذهب الأكثرون إليه، ويتبوأ جماعة الأغلبية مفتي زبيد في زمانه الفقيه عمر بن محمد الفتى ت 887 هـ صاحب مهمات المهمات والإلهام لما في الروض من الأوهام مصنف شيخه ابن المقرئ، ووافقه على فتواه تلاميذه وهم:

- جمال الدين محمد بن حسين القماط ت 903هـ، وكمال الدين موسى بن الزين الرداد ت 923هــ صاحب الكوكب الوقاد شرح الإرشاد، وصفي الدين أحمد بن عمر المزجد شيخ الشافعية بزبيد صاحب العباب ت 930هـ.

وقد وافق المزجد والرداد في مذهبهما تلميذهما شهاب الدين أحمد بن الطيب الطنبداوي الذي انتهت إليه رئاسة الفتوى والتدريس بزبيد ت 948هـ، وأيد الطنبداوي بعد ذلك تلميذه أبو الضياء عبد الرحمن بن عبد الكريم بن زياد صاحب المصنفات المشهورة والفتاوى المعتمدة ت 975هـ.

وهذه الكوكبة من الفقهاء تطالعنا أسماؤهم في البحث كلما ذكرت المسألة من غير خوض في تفاصيل كثيرة رغبوا عنها، وخالف هذا الرهط من كبار الفقهاء جماعة أولهم شيخ الشافعية يوسف بن يونس بن يحي الجبائي ت 904هـ وكان عمدة علماء قطره في الفتاوى ووصف بحسن الاستنباط وتحرير المواضع المشكلة وقد أفتى بالصحة وأطنب في الاستشهاد لها، وخالفه من تلاميذه الطنبداوي والرداد.

ثم انتقل الخلاف إلى فقهاء عدن ولا غرابة في ذلك فقد وردها الجبائي، كما ولي القضاء بها كل من القماط والمزجد، وقد أفتى بصحة النذر من شيوخها عبدالله بن أحمد بامخرمة ت 903هـ وخالفه صاحبه الفقيه محمد بن أحمد بافضل ت 904هـ بتقييد في كلامه سيأتي وافقه عليه محمد بن عمر باقضام ت 951هـ، ثم انتصر للقول بالصحة الشيخ عبدالله بن عمر بامخرمة ت 972هـ وأفاض في الاستدلال في فتاويه إفاضة بالغة، وفصل فيه كل التفصيل في الهجرانية والعدنية، ولا غرابة أن يفيض الشيخ عبدالله بامخرمة الأخير بالحديث عنها ويسود الصفحات في ذلك؛ لأن الحكم بالصحة خروجا عن الأصل السابق فيقتضي تفنيد حججه التي ركن إليها ثم الرد على من سبقه في المخالفة، وأطال النفس حتى غدت أقواله مرجعا يستند عليها من بعده.

وقد ألقت المسألة رحلها بحضرموت واستقر العمل بفتيا الصحة حين أفتى صاحب المختصرات به وهو الفقيه عبد الله بن عبد الرحمن بافضل ت 918هـ وكان قد رحل إلى عدن ولازم فقيهها عبدالله بن أحمد بامخرمة، وأشار إلى استقرار العمل بذلك عبدالله بن محمد باقشير تلميذ الفقيه بافضل وصاحب قلائد الخرائد ت 958هـ.

ولعل هذا الخلاف الذي استحكم بين فقهاء اليمن هو الذي حدا بابن حجر الهيتمي أن يصدر جوابه حين سئل عن هذه المسألة بقوله اختلف المتأخرون من أهل اليمن في النذر لبعض الأولاد فقال جماعة منهم الفتى وتلميذه الكمال الرداد والجمال بن حسين القماط أنه باطل... وقال آخرون لا يصح النذر منهم الشيخ نجم الدين يوسف المقري والفقيه عبدالله بن أحمد بامخرمة وهذا الذي يتجه ترجيحه... وسيأتي تفصيل قوله واحتاج هو أيضا ـ وقد تولى شرح المذهب ـ مثل قرينه بامخرمة إلى أن يطيل الوقوف في أدلته والرد على مخالفيه للسبب المشار إليه آنفا.

وبعد أن تولى أمرها ابن حجر وقررها في التحفة ساغ للمتأخرين التتابع على إيرادها، وبذلك تكون الطريق قد مهدت والصعاب ذللت، فاستراحوا من عناء التخريج واكتفوا بالنقل لتعود المسألة إلى سيرتها الأولى مع اختلاف واضح، فإنها بدأت بالإشارة إلى البطلان وانتهت في الغالب إلى الإشارة بالصحة وما بينهما صراع شديد، ونزاع بلغ القمة في حشد الأدلة والشواهد والدفع بكل ما وجد من قول يدعم أمر أحد الفريقين وهو الذي نعرض له.

وينضم ابن حجر مع جملة من الفقهاء من غير اليمن الذين خاضوا فيها نتيجة اشتداد الخلاف بين اليمنيين، وممن أدلى بدلوه فيها شيخه زكريا الأنصاري، ومال إلى البطلان، واقتضاه كلام تلميذه الخطيب الشربيني، وأخذ به شارح الإرشاد الجوجري، وخالف في ذلك السمهودي فيما نقلوه عنه.

ولم تزل تنتشر ويتوارد عليها المتأخرون حتى زادوا الطين بلة والصحة ضعفا وحكموا بصحة النذر وإن كان بقصد الحرمان، وظهر النذر لبعض الأولاد معلقا بما قبل موته بثلاثة أيام إن مات بمرض أو بساعة إن مات فجأة، وتلقفها الذين لا يخشون الله حق خشيته فضربوا لها الطبل كما قيل في زلة العالم، ووصلت حدا من الرخص فهزلت حتى ابتاعها الجهلة الذين راموا منع النساء من الإرث ومردوا على ذلك مخادعة، والنذر مقصوده التقرب وليس في فعلهم هذا تقرب، وخرجت في بعض أطوارها إلى مصادمة الشرع صراحا وهو أمر ينبغي أن لا يصدر من العامة فضلا عن غيرهم.

وحسبنا ما سردناه في أمر النشأة وتوخينا فيه كشف النقاب عن التاريخ الذي أثمرته مطالعة الفتاوى مع ما أسعفتنا به كتب التراجم في أحوال هؤلاء الفقهاء وهو سرد يحثنا على مراجعة تلك التراجم والوقوف على جهودهم ونترك هذا المقام متجهين نحو أدلة الفريقين فيما قرروه.

الفصل الثالث

نأتي الآن إلى الخصام الذي استحكم بين مؤيدي هذا النذر ومعارضيه، وقام فيها الفريقان وقعدوا، فاشتد البحث بينهما في هذا المضمار، وارتفع في معترك البيان الغبار، وأتى كل حزب بأدلته وافية، وأقبل بجيش من الشواهد يعرضها، ومن الآثار والأقوال يقدمها إذ لا ينفع في هذا الميدان مجرد عزو القول دون تمحيص، ومن ليس من أصحاب هذه الحلبة ممن يرضى بنقل شيخه، ويدور معه حيث دار لا يتعنى، وما بعد عرض المذهبين إلا ميزان الحق من كتاب أو سنة فإنه الحكم الذي ترضى حكومته، ولنبدأ بمن حكم بالبطلان.

القائلون بالبطلان

ذكر القائلون بالبطلان حججا من النصوص والقواعد والأقوال نسوقها على النحو التالي:

أولا: حديث النعمان بن بشير

أول ما يطالعنا في خضم الحجج التي اعتمد عليها الفريق الأول قبس من مشكاة النبوة، وحديث من كلام الهدى، وحق له أن يتصدر الفتاوى، ويتقدم الشواهد، ثم تأتي بعده قوافل القواعد والأقوال الأخرى، ويعد حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما من أعظم الحجج التي استدل بها القائلون ببطلان النذر لبعض الأولاد، وهو العمدة في توضيح حكم المسألة حيث قالوا بأنه نص في موضع النزاع فلا بد أن يصار إليه، وهو حديث عظيم القدر جليل النفع ورد بطرق متعددة وألفاظ متنوعة حتى ظن بعضهم أن في معانيه اختلاف وهو ظن لا يغني شيئا عند التحقيق قال القرطبي في المفهم حديث النعمان كثرت طرقه باختلاف ألفاظه حتى قال بعض الناس إنه مضطرب، وليس في ألفاظه تناقض والجمع ممكن.

وأهمية هذا الحديث توجب علينا أن نسوق ألفاظه، وما ذكره أهل الشأن ممن أجلى حروفه وحدوده، ونذكر أولا بعض رواياته في الصحيحين ثم نعرج على غيرها.

نص الحديث

عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: تصدق عليّ أبي ببعض ماله فقالت أمي عمرة بنت رواحة لا أرضى حتى تشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلق أبي إليه ليشهده فقال رسول الله: «أفعلت هذا بولدك كلهم؟»، قال: لا، فقال: «اتقوا الله واعدلوا في أولادكم»، فرجع أبي فرد تلك الصدقة، وفي لفظ قال فلا تشهدني إذا فإني لا أشهد على جور، وفي لفظ فأشهد على هذا غيري.

ألفاظه والجمع بينها

رواه البخاري من حديث الشعبي سمعت النعمان بن بشير وهو على المنبر يقول أعطاني أبي عطية، ورواه مسلم من طرق بلفظ فرده، ومنها أيسرك أن يكونوا إليك في البر سواء، قال بلى، قال فلا إذا، وعنده من حديث جابر فليس يصلح هذا، وإني لا أشهد إلا على حق.

- قوله في بعض ألفاظه سألت أمي أبي بعض الموهبة لي من ماله، زاد مسلم والنسائي فالتوى بها سنة أي مطلها، وفي رواية ابن حبان بعد حولين، قال الحافظ ابن حجر في الفتح ويجمع بينهما بأن المدة كانت سنة وشيئا فجبر الكسر تارة وألغي أخرى.

- قوله في لفظ ثم بدا له فوهبها لي فقالت له لا أرضى حتى تشهد رسول الله قال فأخذ بيدي وأنا غلام، ولمسلم انطلق بي أبي يحملني إلى رسول الله، قال ابن حجر في (الفتح) "ويجمع بينهما بأنه أخذه بيده فمشى معه بعض الطريق وحمله في بعضها لصغر سنه".

- قوله ببعض ماله في رواية الصحيحين أنه كان غلاما، وفي رواية لمسلم إني نحلت النعمان كذا وكذا من مالي ولابن حبان والطبراني عن الشعبي أن النعمان خطب بالكوفة فقال إن والدي بشير بن سعد أتى النبي فقال إن عمرة بنت رواحة نفست بغلام وإني سميته النعمان وإنها أبت أن تربيه حتى جعلت له حديقة هي أفضل مال هو لي.

وجمع ابن حبان بأنه لا تضاد بينهما؛ لأن النحل من بشير لابنه كان في موضعين متباينين وذلك أن أول ما ولد النعمان أبت عمرة أن تربيه حتى يجعل له بشير حديقة ففعل ذلك، فلما أتى على الصبي مدة قالت عمرة لبشير انحل ابني هذا فالتوى عليها سنة أو سنتين فنحله غلاما، قال ويشبه أن يكون النعمان قد نسي الحكم الأول أو توهم أنه قد نسخ، قال ابن حجر وهو جمع لا بأس به ثم تعقبه باستبعاد النسيان مع جلالته في الحكم، وأبدى جمعا آخر وذلك بأن عمرة لما امتنعت في تربيته وهبه الحديقة المذكورة تطييبا لخاطرها، ثم بدا له فارتجعها، فعاودته عمرة فمطلها سنة أو سنتين، ثم بدا له أن يهب له بدل الحديقة غلاما، ورضيت عمرة بذلك إلا أنها خشيت أن يرتجعه فقالت اشهد على ذلك رسول الله، وهذا جمع قوي كما تراه.

وبشير هو ابن سعد بن ثعلبة الخزرجي صحابي جليل أنصاري بدري، وعمرة بنت رواحة هي أخت الصحابي عبدالله بن رواحة، وعند أحمد أنها لما ولدت النعمان حملت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا بتمرة فمضغها ثم ألقاها في فيه فحنكه بها فقالت يا رسول الله ادع الله أن يكثر ماله وولده فقال أما ترضين أن يعيش كما عاش خاله حميدا وقتل شهيدا ودخل الجنة.

حكم التفضيل

حكم التفضيل بين الأولاد دائر بين التحريم والكراهة، قال النووي في (شرح مسلم) "فلو فضل بعضهم، أو وهب لبعضهم دون بعض فمذهب الشافعي ومالك وأبي حنيفة أنه مكروه ليس بحرام والهبة صحيحة، وقال طاووس وعروة ومجاهد والثوري وأحمد وإسحاق وداود هو حرام". انتهى كلامه.

وممن قال بالتحريم من أئمة الشافعية ابن حبان في صحيحه وأطنب في الاستشهاد له، وبسط ذلك في صحيحه بسطا وافيا؛ لأن مراد الأمر بالرد والإرجاع هو نفي جواز ذلك الفعل دون إمضائه، وذهب البخاري إليه قال ابن حجر وقد تمسك به -حديث النعمان- من أو جب التسوية في عطية الأولاد وبه صرح البخاري.

ويأتي حكم ثالث أبداه الغزالي إلا إنه يبدو شاذا حيث زعم أن هذا التفضيل ليس مكروها بل إن صاحبه تارك للأحب، وصرح النووي بأنها عبارة ناقصة والصواب ما قاله الأصحاب، والحديث مصرح بشدة كراهته بل صرح ابن حبان في صحيحه لعدم جوازه والحرمة مذهب.

معاني ألفاظه

لقد تمسك من ذهب إلى التحريم برواية لا أشهد على جور، وحملوا رواية فأشهد على هذا غيري بأنه للتهديد والتنفير الشديد من باب قوله تعالى: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} [فصلت:40]، قال ابن حبان: "من هذا الوجه أراد به الإعلام بنفي جواز استعمال الفعل المأمور به ولو فعله، فزجر عن الشيء بلفظ الأمر بضده كما قال لعائشة اشترطي لهم الولاء فإنما الولاء لمن اعتق".

وقال أبو جعفر الطحاوي في شرح مشكل الآثار في هذا اللفظ: "فكان ذلك عندنا -والله أعلم- على الوعيد الذي ظاهره ظاهر الأمر وباطنه الزجر كقول الله عز وجل في كتابه: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} [فصلت:40]، وقال إنما كان على الوعيد الذي فيه التحذير له من السبب الذي يخالف بين أولاده في البر به في الانحراف عنه لتفضيله غيره منهم عليه فيما أعطاه إياه مع تساويهم في مرافقتهم منه، فتخرج الصيغة من ظاهر الأمر للقرائن التي احتفت بها من امتناعه عليه السلام من الشهادة على جور، والجور عند الإطلاق يقتضي التحريم وأمره بإرجاع ما وهبه لابنه.

وتمسك الجمهور بإحالة الرسول الشهادة على غيره قالوا ولو كان حراما أو باطلا لما قال هذا الكلام، وامتناعه من الشهادة إنما هو على وجه التنزيه، وأجاب النووي عن قول الأوليين بأن الأصل في كلام الشارع غير التهديد، ويحتمل عند إطلاقه صيغة افعل على الوجوب أو الندب فإن تعذر ذلك فعلى الإباحة، وقالوا إن الجور بمعنى الميل، ومما استدلوا به أيضا على الجواز أن الصديق نحل عائشة عشرين وسقا، وفضل عمر ابنه عاصما بشيء، وأجاب القائلون بالتحريم عن عمل الخليفتين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما بعد النبي صلى الله عليه وسلم على عدم التسوية بأن إخوة عائشة كانوا راضين بذلك ويجاب بمثل ذلك عن قصة عمر، وعند هذا الانفصال يتضح رجحان من قال بالتحريم والله أعلم.

كلام قيم لابن القيم

وهنا أسوق كلاما نفيسا لابن القيم في كتابه القيم (تهذيب السنن) بعد أن ذكر روايات الحديث المتعددة التي سبق أن سردناها آنفا فقال: "ومنها قوله اشهد على هذا غيري فإن رسول الله لا يأذن في الجور، وفيما لا يصلح، وفي الباطل، فإنه قال لا أشهد إلا على حق، فدل ذلك على أن الذي فعله أبو النعمان لم يكن حقا فهو باطل حقا، فقوله إذن اشهد على هذا غيري حجة على التحريم كقوله تعالى{اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} [فصلت:40]، وقوله «إذا لم تستح فاصنع ما شئت» أي الشهادة على هذا ليس من شأني ولا تبتغي لي، وإنما من شأن من يشهد على الجور والباطل وما لا يصلح وهذا في غاية الوضوح".

احتراز ينبغي مراعاته

وموضع التحريم أو الكراهة في تخصيص بعضهم حيث لا حاجة تدعو لذلك فإن احتاج الولد لزمانته مثلا فينتفي المنع وقد ذكر ابن مزروع الشبامي ت 913هـ في الفتاوى بالعدل بين الأولاد في جميع العطايا من مأكول ومشروب ولبوس فيسن مخافة أن يفضي بهم الأمر إلى العقوق قال فإن ترك العدل بينهم وخصص بعضهم بالعطية فقد فعل مكروها، وقال بعض العلماء بتحريمه، ومحل كراهة التخصيص إذا استووا في الحاجة أو عدمها، فإن تفاوتوا قال ابن الرفعة ليس فيه المحذور السالف نقله الأذرعي وابن النحوي وابن قاضي شهبة وغيرهم، وهو ظاهر فيما يجري عليهم من نفقة أو كسوة ونحوهما وهو متبرع بذلك عليهم وتفاوت بينهم في ذلك على قدر حاجاتهم، واختلاف حالاتهم وسد خلاتهم لتفاوتهم صغرا وكبرا ورعاية وصحة ومرض وزهادة، وقال الزركشي ولو كان أحدهما ذا فضيلة بعلم أو ورع فالظاهر أنه لا بأس بالتخصيص واستدل بأن الصديق نحل عائشة رضي الله عنها جذاذا عشرين وسقا دون سائر أولاده.

ولا يخفى ملاحظة ما أورده لاسيما في آخر كلامه؛ لأن ذلك كان برضاهم ن بل إن هذا الاحتراز لم تطب به نفس بعض وستأتي إشارة الشوكاني إلى عدم اعتباره.

الشاهد من الحديث

إن السبيل الحق يشد علينا أن نجعل الحكم تابعا للدليل وموافقا له حيث أن النصوص هي مورد الأحكام، ولا بد أن تعرض كل حادثة على النصوص، ويقتبس منها ما تدل عليه من حكم، والواقعة هنا تكمن في النذر لبعض الأولاد، والدليل هو حديث النعمان رضي الله عنهما.

وبعد أن استطردنا في بيان هذا الدليل وذكر رواياته وما حوته ألفاظه من فوائد زوائد، واتضحت صحة الحديث بطرقه المختلفة التي تم الجمع بين ما اختلاف منها، ونكون قد اطمأننا على صحة الدليل بقي علينا أن نحدد الدلالة وصحتها، إذ النظر إلى الأحكام إنما يبنى على صحة الشاهد وصحة الدلالة منه، قالوا وهو نص في موضع النزاع، ويكون بطلان النذر مبني على مقدمتين هما:

الأولى ما سبق ذكره من شرط النذر أن يكون قربة مما يبتغى به وجه الله، فلا ينعقد فيما هو مباح فضلا عن المكروه والحرام.

والثانية أن التفضيل بين الأولاد قد تم تحريره في هذا المبحث وأنه دائر بين قولين لأهل العلم سواء من ذهب إلى الكراهة أو مال إلى التحريم فملنا معه إليه.

والمقدمتان صحيحتان فأنتجتا المطلوب وهو البطلان والله أعلم.

ومما ورد في فتاوى محمد عبدالله باسودان مصرحا بتحديد الاستشهاد في الحديث قوله واعتمد جماعة من اليمن البطلان منهم العلامة الطنبداوي والعلامة عمر الفتى وتلميذه الكمال الرداد والجمال محمد بن حسين القماط ومفتي اليمن الوجيه ابن زياد، واستدلوا بقوله لا أشهد على جور، وقالوا في ذلك التنفير الشديد عن فعل ذلك، وقالوا أيضا والنذر بشرطه القربة وأي قربة في حرمان الورثة....

ثانيا ما يفضي إلى الحرام يكون محرما

نستطيع أيضا أن نلمح من حجج القائلين بالبطلان التي بنوا عليهم الحكم في هذا النذر أن العلة في الحديث معلومة فإذا كانت كذلك اتبعت، فحيث وجدت وجد مقتضى النهي من القصد، إذ إن مقصود الشارع ما اقتضته، وقد نص الحديث على قاعدة كلية تدل على وجوب التسوية بين الأولاد والتزام التقوى في ذلك بقوله اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم، والهبة لبعض الأولاد والتخصيص بعطية البعض يؤدي إلى عدم البر وهو العلة التي نص عليها قوله أيسرك أن يكونوا في البر سواء؟، فيكون التفضيل من الجور، والشهادة عليه شهادة على جور، وهذا لا يصلح ولذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم النعمان برده، فالأصل ورد في الهبة فتحقيق المناط في الفرع ـ وهو النذر ـ واضح لوجود العلة وهي العقوق فالحكم هو المنع فيهما قال ابن حجر: "ومن حجة من أوجبه يعني -العدل بين الأولاد- لأن قطع الرحم والعقوق محرمان فما يؤدي إليهما يكون محرما والتفضيل مما يؤدي إليهما".

فلا بد أن يكون عمل المكلف موافقا لقصد الشارع إذ أن الشريعة موضوعة للمصلحة على الإطلاق والعموم، والمطلوب من المكلف أن يجري على ذلك في أفعاله ولا يقصد خلاف ما قصده الشرع وأشار الشاطبي في الموافقات بأن الأحكام إنما شرعت لمصالح العباد فكانت الأعمال معتبرة بذلك فإذا كان الأمر ظاهره وباطنه على أصل المشروعية فلا إشكال، وإن كان الظاهر موافقا والمصلحة مخالفة فالفعل غير صحيح وغير مشروع لأن الأعمال الشرعية ليست مقصودة لأنفسها وإنما قصد بها أمور أخرى هي معانيها وهي المصالح التي شرعت لأجلها.

وقد ذكر العلماء من العواقب السيئة المترتبة على إقرار هذا النذر النزاعات الناشئة بين الأولاد حيث أن النفس قد أحضرت الشح فلا تطيب بما تضمنه من جور وحيف، منهم الشيخ محمد بن سالم البيحاني في كتابه إصلاح المجتمع أشار إلى هذه المحرمات التي كان عقد النذر لبعضهم وسيلة إليها بقوله في بيان ثماره أن تقوم الخصومات، وتثور الأحقاد، ويقع الظلم، وتقطع الأرحام، ويقولون لميتهم لا رحمه الله ولا غفر له!!، وهذه لاشك ظلمات متراكبة فوق بعضها، وأشدها سوادا الظلمة الأخيرة التي تدل على ما تكنه الصدور من غل يصل إلى غايته في هذه الدعوة على الناذر، والملفت أنه ربما تضمنت تلك الرقعة التي أفضت إلى القطيعة قول الناذر وأوصى أولاده بالتواصي فيما بينهم والبر والتعاون، وهو تناقض عجيب، ينقض أوله آخره، فيا لله كيف تتحقق المودة، والوصية بالأخوة وقد قيل في تفضيل بعضهم ما قيل؟.

ولو تأمل الناذر ما سيقدم عليه لأدرك أن تذكيره بالتعاون فيما بينهم لا يجدي نفعا لأن الفعل الذي تعاطاه أبلغ من القول الذي أبداه.

وزاد البيحاني توضيحا في هذه الثمار بقوله والله تعالى أعلم بمصالح عباده وما جعل الفرض والتعصيب وتولى قسمة المواريث بنفسه إلا ليأخذ كل ذي حق حقه، ولئلا يخرج الناس من حزنهم على ميتهم إلى مخاصمة ومحاكمة بين البنين والبنات، والآباء والأمهات، والأخوة الأخوات وهو القائل جل ذكره: {يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ} [النساء:11].

فمذهب القائلون بالبطلان قائم على سد هذه الذريعة وقطع مادة النزاع التي يفضي إليها هذا النذر والنظر في مآلات الأمور مقصود شرعا، و ما لا يتم الواجب إلا بتركه فتركه واجب والله أعلم.

ثالثا إبطال الحيل المؤدية إلى الحرام

لقد صار العمل بهذا النذر حيلة يتذرع بها كثير ممن يتعاطونه ليحرموا بعض أولادهم من الإرث لاسيما البنات كما هو صنيع الجهلة بأحكام الله، وقد يجدون من الفقهاء من يوافقهم عليه بحجة أن الأمر مختلف فيه دون النظر إلى قصد الحرمان الذي يطلبه هؤلاء الجاهلون، ويعودون بذلك إلى الجاهلية الأولى، والحقيقة أن النذر بهذه الطريقة صار حيلة من الحيل الممنوعة التي يجب إبطالها، والحيل التي يتم إبطالها وإنكارها ما هدم أصلا شرعيا، وناقض مصلحة شرعية.

قال الشاطبي في (الموافقات): "وحقيقة الحيل تقديم عمل ظاهره الجواز لإبطال حكم شرعي وتحويله في الظاهر إلى حكم آخر، فمآل العمل فيها خرم قواعد الشريعة في الواقع كالواهب ماله عند رأس الحول وقرب نهايته فرارا من الزكاة".

ولقد شدد العلماء على من يتعاطى الحيل، وقام ابن القيم في كتابه (إعلام الموقعين) ببيان شاف في إنكارها، وأطال النفس فيه، ولو أننا تتبعننا ما أفاض فيه لطال بنا المقام وخرجنا عن المقصود، ولكن حسبنا أن نرتشف منه ما يدل على غيره، وأن نغترف منه غرفة تغنينا عما سواها، ومما نقله عن جماعة المبطلين للحيل قولهم.

- سبحان الله.. الذي فرض الفرائض، وحرم المحارم، وأوجب الحقوق رعاية لمصالح العباد في المعاش والمعاد، وجعل شريعته الكاملة قياما للناس وغذاء لحفظ حياتهم، ودواء لدفع أدوائهم.. فتعالى شارع هذه الشريعة الفائقة لكل شريعة أن يشرع فيها الحيل التي تسقط فرائضه وتحل محارمه وتبطل حقوق عباده ويفتح للناس أبواب الاحتيال وأنواع المكر والخداع وأن يبيح التوصل بالأسباب المشروعة إلى الأمور المحرمة الممنوعة وأن يجعلها مضغة لأفواه المحتالين وعرضة لأغراض المخادعين.

- والحمد لله الذي نزه شريعته عن هذا التناقض والفساد وجعلها كفيلة وافية بمصالح خلقه في المعاش والمعاد وجعلها من أعظم آياته الدالة عليه ونصبها طريقا مرشدا لمن سلكه إليه.

- ولا إله إلا الله الذي في شرعه أعظم آية تدل على تفرده بالألوهية وتوحده بالربوبية وأنه موصوف بصفات الكمال المستحق لنعوت الجلال..

- والله أكبر كبيرا أن يكون في شرعه تناقض واختلاف فلو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا، بل هو شريعة مؤتلفة النظام، متعادلة الأقسام، مبرأة من كل نقص، مطهرة من كل دنس، مسلمة لا شية فيها، ومؤسسة على العدل والحكمة والمصلحة والرحمة قواعدها ومبانيها..

ولابن حجر كلام نفيس في الحيل في كتابه فتح الباري ذكر فيه أن الشافعي نص على كراهة تعاطي الحيل في تفويت الحقوق فقال بعض أصحابه هي كراهة تنزيهية وقال كثير من محققيهم كالغزالي هي كراهة تحريم ويأثم بقصده ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: «ولكل امرئ ما نوى»، وهذا يتفق تماما مع الأبواب التي عقدها البخاري في صحيحه بترك الحيل وبدأها بذكر حديث النية المشهور.

ومما يندى له جبين العلم فشو الحيل في المعاملات كالعهدة الذي يعود بالفوائد على المتعهد، ومما يستملح في هذا المقام إيراد أبيات في منع الحيل في الطلاق لأبي العتيق أبي بكر العنسي قال فيها:

لئن كان للتدقيق هذا فتركه من *** الفرض والتحقيق والمذهب الأصفى

فوا عمرا لو قلتموها بوقته *** لأثخن فيكم ثم جاهدكم زحفا

أعوذ بربي من تكلـف حيلة وترك *** كتاب الله نوره الدهـر لا يطفى

أأطلب تربا للتيمم عامدا *** وعندي ماء البحر أغرفه غرفا

فأبطل بها من حيلة مستحيلة *** وأعظم بحكم صار من أجلك حيفا.

وحسبنا بهذه المقدمة في إبطال الحيل لتكون مقدمة إلى موضوعنا في النذر لبعض الأولاد الذي يتوصل به إلى منع الآخرين، ويكون ذلك وفق صيغة ظاهرها الجواز وهو عند التحقيق إبطال لحكم التسوية بينهم، ونذكر هنا بعض من جزم بكونه حيلة ممن هو أدرى به لكونه بأرضه، فحذر من أن يهوى الناذر في هوة المخالفة، وننقل عنهم التصريح بذلك، وعلى الخبير سقطت كما يقولون، وسيأتي تفصيل مبحث الحرمان في آخر البحث.

1- الشيخ عبدالله بن علوي الحداد باعلوي

قال الشيخ عبدالله الحداد ت 1132هـ في حديثه عن بعض الجهال الأغبياء من استحلالهم الربا بحيل ومناذرات يتعاطونها بينهم ويتوهمون أنهم يسلمون بها من إثم الربا (إن الحيلة في الربا من الربا وإن النذر شيء يتبرر به العبد ويتبرع ويتقرب به إلى ربه، لا يصح النذر إلا كذلك، وقرائن أحوال هؤلاء تدل على خلاف ذلك، وقد قال عليه الصلاة والسلام: «لا نذر إلا فيما ابتغي به وجه الله», وبتقدير أن هذه المناذرات على قول بعض علماء الظاهر تؤثر شيئا فهو بالنسبة إلى أحكام الدنيا وظواهرها لا غير، وأما بالنسبة إلى أحكام الباطن وأمور الآخرة فلا، وأنشد:

ليس دين الله بالحيل *** فانتبه يا راقد المقل.

وكلامه في غاية الوضوح حيث نص على أن القرائن تشهد باستعمال من أشار إليهم النذر حيلة ليتوصلوا به إلى ما يؤملون من مخالفة الشرع، ثم أضاف بأنه وإن نفعهم هذا في ظاهر الأمر في الدنيا، فإن الأمر يختلف في الباطن وأمور الآخرة، ولا شك أن من أشرب قلبه بالاهتمام بغوائل النفس، والاشتغال بباطنها تأبى طباعه هذه الحيل وينفر منها كفراره من الأسد، وهذا أمر يحتاج إلى تأصيل في نفوس الناس وتجذير في قلوبهم، وجدير بمن يجاهد نفسه وينظر إلى ما تزين له من الحطام، وتوسوس به من الآثام أن يترك ما ينافي استقامتها.

2- الفقيه محمد بن عبدالله باسودان

أفاد الفقيه محمد باسودان ت 1281هـ في الفتاوى بأن النذر لبعض لأولاد يعد من الحيل بعد أن ذكر اختلاف الفقهاء في النذر إذا ظهرت فيه قرائن الحرمان، ولذا قرر بعضهم البطلان لأن القربة التي هي شرط المنذور منتفية هنا، قال وأي قربة في حرمان الورثة؟ وأضاف وقد احترز أهل الورع من فعل هذه الأمور التي لا يريد الفاعل بها وجه الله تعالى حتى قال سيدنا وشيخنا الحبيب طاهر بن حسين بن طاهر باعلوي في خطبته الوعظية في مبحث التحذير عن كتابة الحيل في المعاملات وكذلك الوصايا والنذور التي تكرر وقوعها في هذه العصور المشتملة على الحرمان والضرار، والمباينة لما يفعله الصالحون الأخيار، الشاهدة على فاعلها بقبح الإعلان والإسرار، وعدم اتقاء العار والنار.

وواضح أن الفقيه باسودان يرى أن هذا العقد من الحيل التي يتوصل بها إلى الحرمان وظاهره الصحة، وشفع رأيه بما أفاد به شيخه ابن طاهر وهو كلام رصين، يزهق نزعة أرباب الحيل ومن تعاطاها، وينادي عليهم بالنكير الشديد.

3- الشيخ محمد بن سالم البيحاني

قال البيحاني في إصلاح المجتمع ومن الناس من يقول نذرت بهذا أو وهبت هذا لولدي فلان دون إخوانه ثم يبقيه في يده أو تحت تصرفه إلى أن يموت أو يقول إذا كان قبل مرض موته بثلاثة فقد جعلت كذا وكذا لفلان من أولاده وهي حيلة وضعها علماء السوء للذين لا يخافون الله ولا يتقونه أحياء وأمواتا.

والنذر المعلق لبعض الأولاد المشار إليه في كلام الشيخ ربما صار حيلة أيضا فيبطل إذ على المسلم أن يبتعد عن مواطن الشبه وينحاز إلى طريق العدل وصدق القائل:

توخ من السبل أوسطها *** وعدّ عن الحائر المشتبه

رابعا الاستئناس بأقوال الفقهاء

إن مما يورده القائلون بالبطلان في سياق حججهم أسماء الفقهاء الأعلام الذين ذهبوا هذا المذهب ممن ظهرت شهرته في الآفاق فصار معتمدا في الفتوى لاسيما الذين خبروا المسألة وانكشف لهم نقابها، ولا يعد هذا الفعل من هذا الفريق خروجا عن القاعدة المعروفة التي نصها "اعرف الرجال بالحق، ولا تعرف الحق بالرجال" لأن صنيعهم هذا من باب الاستئناس لا الاستشهاد، ولأن المسألة من الوقائع التي يعمل فيها الاجتهاد فمظنة وجودها في الفتاوى، وهنا يأتي ذكر فقهاء اليمن الذين سبقت الإشارة إليهم آنفا ممن شهد له بالفضل والعلم والورع منهم عمر بن محمد الفتى وتلاميذه الثلاثة وهم القماط والمزجد والرداد، وممن أخذ عنهم كالطنبداوي وابن زياد، وممن قال بالبطلان أيضا أبو القاسم بن مطير وعبدالله بن أبي بكر الأزرق وحسين الأهدل ومحمد بن أحمد بافضل ومحمد عمر قضام، وقد يزاد عليهم من غير اليمن زكريا الأنصاري والجوجري شارح الإرشاد.

وفي هذا الإطار يجدر بنا أن نقف عند اثنين من هؤلاء نقلت لنا الفتاوى قولهم، ونختار واحدا من فقهاء اليمن وهو ابن زياد، والآخر من غيرهم وهو الشيخ زكريا الأنصاري.

الفقيه عبد الرحمن بن زياد

قال "مسألة النذر لبعض الأولاد باطل على الراجح المعتمد به لانتفاء القربة إذ هو شديد الكراهة، بل قال بتحريم تفضيل بعض الأولاد في العطية مطلقا ابن حبان من أئمتنا، وأحمد لما في الصحيحين في قصة الذي نحل بعض بنيه، وقال له صلى الله عليه وسلم: «لا تشهدني إذا فإني لا أشهد على جور»، وممن أفتى بالبطلان أيضا الفتى والرداد والقماط والطنبداوي، هذا إذا لم يكن في المنذور عليه ما يبيح تفضيله كحاجة، وزمانة، وكثرة عائلة، أو اشتغال بعلم".

الشيخ زكريا الأنصاري

قال في فتاويه: "المعتمد صحة النذر لبعض الأولاد إن وقع قربة كأن كان البعض المذكور فقيرا أو صالحا أو بارا وغيره ليس كذلك، وإلا فلا يصح؛ لأن التسوية بين الأولاد حينئذ مندوب إليها، فعدمها ليس بقربة بل إما مكروه أو خلاف الأولى قال به الغزالي، أو حرام قال به جمع منهم طاووس وعروة ومجاهد والثوري".

وبفتاوى الأئمة نكون قد أسدلنا الستار عن حجج الفريق الأول التي صالوا بها في ميدان النزاع، وأبدت لنا عن وجه القوة يتقدمها لواء حديث النعمان رضي الله عنه، ويمدها قواعد الشريعة بالمدد الذي لا تقوم له الجبال، ونتركهم لننتقل إلى الفريق الثاني ونسرد سجالهم بما تفيده لنا أقوالهم.

الفصل الرابع

القائلون بالصحة

وبعد أن استمعنا لحجج المانعين للنذر لبعض الأولاد نأتي الآن لنعرض حجج الفريق الآخر الذي ذهب إلى صحته، وأبدى شواهد دعواه، ولم ينس في ثناياها من نقض ما أبداه الأولون، وقد مر بنا أن المعتمد قبل انتشار الخلاف في هذا النذر هو البطلان، ومن هنا احتاج الذين قرروا الصحة إلى إطالة النفس في ما بنوا عليه الحكم، ويمكن الحديث عن هذه الحجج في النقاط التالية:

أولا النهي لأمر خارج لا ينافي الصحة

وهي قاعدة مقررة مشهورة، وأصل ينشأ عنه فروع كثيرة، وهي قاعدة مطردة، وبيان قولهم أن النهي الوارد في حديث النعمان رضي الله عنهما ليس نهيا منصبا على نفس الفعل ـ أي النذر ـ وإنما هو لأمر خارج عنه وهو التفضيل، قالوا والنذر في المكروه وكذا المحرم إنما لا ينعقد إن كان لذاته بخلاف المكروه أو المحرم لمعنى خارج عن ذاته، فهو من دائرة الصلاة في الدار المغصوبة، فالنهي عن الصلاة فيها إنما هو لأمر خارج وهو الانتفاع بحق الغير من غير إذنه، وهذا منهي عنه سواء بصلاة أو غيرها، وليس نهيا لكونها صلاة، وكذلك النذر في هذا المسألة لا يرجع إلى نفس النذر إنما هو لأمر خارج عنه، أي ليس هو النذر من حيث كونه نذرا وإنما النهي عنه التفضيل لبعضهم، والسبب إلى ما يؤدي إلى ذلك ممنوع سواء كان نذرا أو هبة أم غير ذلك، فالفرق بين النهي الراجع إلى نفس الفعل والنهي الراجع إلى أمر خارج عنه واضح، وإن المبطل الأول دون الثاني.

وعليه يكون استدلال الأولين بحديث النعمان في النهي عن التفضيل ليس في موضع النزاع، وسواء حملناه على الكراهة وهو قول الأكثرين أو التحريم، فإنه ليس لذات النذر، وإنما للتفضيل وبذلك يكون المرجح هو انعقاد صورة النذر لبعض الأولاد وطردها في القاعدة السابقة، ومن فروع هذا الأصل ما سيأتي قريبا في المسائل المخرج عليها.

ثانيا الاستشهاد بكلام الأصحاب

والآن نخرج من عقبة القاعدة السابقة إلى ساحة المعترك بين الأقران حيث حميت الجولة، وهو معترك ذو وعورة وصعوبة لا بد علينا من السير في معاطفها، والكشف عن ما انطوت عليه من معان، ثم نحاول تذليلها حتى تنجلي عن وجه الصواب بأوضح صورة، فمما أورده المصححون للنذر القياس على مواضع من مسائل اعتمدها المتقدمون في المذهب الشافعي فخرجوا عليها هذه المسألة، ونقف عند ثلاث منها على النحو التالي:

أولا مسألة صوم الدهر

أطلق في الروضة أن من نذر صوم الدهر انعقد نذره -ويستثنى عنه أيام العيد وأيام التشريق وقضاء رمضان- قال وقد مر في باب الصوم كراهة صوم الدهر في بعض صوره، ومع هذا صرح بانعقاد نذره.

ونقل في شرح المهذب عن الأصحاب الاتفاق في كراهة صوم الدهر، وقد صرح البغوي بكراهته ثم صرح بعد ذلك بانعقاد نذره.

وما جرى عليه إطلاق الروضة من صحة نذر صوم الدهر مع أنه قد ورد في باب الصوم كراهته في بعض الصور يبنى عليه النذر لبعض الأولاد، قالوا وأبلغ من ذلك قوله في شرح المهذب: "لا خلاف في انعقاد نذره ولزوم الوفاء به"، وكلام الرافعي صريح في صحة نذره وإن قلنا بكراهته على توقف فيه وعبارته إذا نذر صوم الدهر انعقد نذره، وقد ذكرنا في آخر الصيام أن منهم من أطلق القول بكراهته، ولا يبعد أن يتوقف على ذلك التقدير في صحته لأن النذر تقرب والمكروه لا يتقرب به والمذهب انعقاده إ هـ.

قالوا فمن تأمل هذا وجده صريحا في صحة النذر في مسألتنا وهي من حيث ذاتها قربة وإنما كرهت في التخصيص المؤدي إلى العقوق فحينئذ النذر والصوم قربتان في ذاتهما، وقد يعرض لهما ما يصيرهما مكروهين لأمر خارج عنهما، فإذا قيل بانعقاد صوم الدهر وإن قلنا بكراهته يقال أيضا بانعقاد النذر في صورتنا ولا نظر إلى الكراهة.

ثانيا مسألة عتق المرهون

حكى الرافعي عن المتولي في التتمة وورد في أصل الروضة في أوائل كتاب (النذر) ما نصه لو نذر عتق المرهون انعقد نذره إن نفذنا عتقه في الحال، أو عند أداء المال، وإن ألغينا عتقه فهو كمن نذر عتق عبد لا يملكه.

قالوا وهذا يقتضي انعقاد هذا النذر مع أن الإقدام عليه لا يجوز كما صرح به الرافعي في باب الرهن حيث قال إن الراهن ممنوع من إنشاء العتق شرعا، ويبنى على هذه المسألة فرعان هما نذر المحجور عليه بسفه وكذا المفلس مالا معينا.

وقال البغوي في (تهذيبه): "بصحة من نذر أن يصلي في أرض مغصوبة ويصلي في موضع آخر وتبعه الجرجاني في الإيضاح".

وهكذا يتحصل في هذه المسألة من عتق العبد المرهون ما حكاه الشيخان عن المتولي أنه ينعقد مع قولهم في كتاب الرهن إن الإقدام على عتق المرهون لا يجوز، وبنوا على عتق المرهون من نذر أن يصلي في أرض مغصوبة وسيأتي تفصيل القول فيها.

فإذا النذر لبعض الأولاد من هذا الباب حيث قلنا بانعقاد نذر عتق المرهون مع التصريح بكراهة التفضيل فهو من أخوات هذه المسألة.

ثالثا التصدق بما يحتاج إليه لوفاء دينه

ذكر النووي في (الروضة) في آخر صدقة التطوع أنه لا يحل التصدق بما يحتاج إليه لوفاء دينه، قال إلا إن غلب على ظنه حصول وفائه من جهة أخرى فلا بأس بالتصدق، ووجه إيراد هذا القول ما حواه من انعقاد النذر مع ورود المنع من صدقة التطوع، فيخرّج عليه النذر لبعض الأولاد إذ المنزع واحد، فلا يصح إفراد أحدهما بالحكم دون الآخر.

وسيأتي ذكر الخلاف والتوقف والنظر في هذه الشواهد عند مناقشة أقوالهم.

ثالثا الحوالة على التحفة

يمكن القول هنا أيضا بأن من حجج المتأخرين القائلين بالصحة الحوالة على التحفة لابن حجر الهيتمي؛ لأنهم قرروا أن الحكم الذي تعرض له الشيخان (الرافعي والنووي) فالمعتمد فيه ما اتفقا عليه، فإن اختلفا ولم يوجد لهما مرجح أو وجد ولكن على السواء فالمعتمد ما قاله النووي، فإن تخالفت كتبه فالغالب اعتماد ما في التحقيق، وإن لم يكن الناظر من أهل الترجيح قال الكردي في الفوائد المدنية بأن علماء حضرموت وأكثر اليمن ذهبوا إلى أن المعتمد في المذهب الشافعي ما قاله الشيخ ابن حجر في كتبه بل في تحفته ثم فتح الجواد..، وإلى هذا أشار علي بن عبد الرحيم باكثير في منظومته في التقليد, وشاع ترجيح مقال ابن حجر في يمن وفي الحجاز فاشتهر, وفي اختلاف كتبه في الرجح الأخذ بالتحفة ثم الفتح, وقد بلغ الاعتماد على التحفة لدى فقهاء حضرموت المتأخرين حدا أوغلوا فيه حتى صارت عندهم بمثابة حذام على حد تعبير عبد الرحمن بن عبيدالله في رسالته تحقيق الفرق بين العامل بعلمه وغيره.

والآن نأتي إلى ما قرره ابن حجر الهيتمي في التحفة في قول المتن من كتاب النذر بأنه لا يصح نذر المعصية قال: "كالمعصية المكروه لذاته أو لازمه كصوم الدهر، وكنذر ما لا يملك غيره مع الصبر على الإضاقة لعارض كصوم الجمعة، وكنذره لأحد أبويه أو أولاده فقط، وقول جمع لا يصح لأن الإيثار هنا بغير غرض صحيح مكروه مردود بأنه لأمر عارض هو خشية العقوق من الباقين، قال بعضهم وإذا صرح الأصحاب بصحة نذر المزوجة لصوم الدهر من غير إذن الزوج لكنها لا تصوم إلا بإذنه مع حرمته فأولى أن يصح بالمكروه انتهى على أن المكروه هو عدم العدل وهولا وجود له عند النذر وإن نوى أن لا يعطي الباقين وإنما يوجد بترك إعطاء الباقين مثل الأول ومن ثم لو أعطاهم مثله فلا كراهة وإن كان قد نوى عدم إعطائهم حال إعطاء الأول فنتج أن الكراهة ليست مقارنة للنذر وإنما توجد بعده فلم يكن لتأثيرها فيه وجه وبهذا اندفع ما أطال به بعضهم للبطلان...."

قالوا ونحن لم نخرج عن المعتمد في التحفة في باب النذر هنا فالحوالة عليه والرجوع في اعتماده عليه.

رابعا الاستئناس بأقوال الفقهاء

مثلما ركن الفريق الأول في غمرة الجدال، وتزين في كلامه بحلية الفقهاء، فللفريق هذا رغبة في ذلك وأي رغبة، ويجري عليه أيضا أنه للاستئناس وليس استشهادا، جزاء وفاقا، ولا يخفى أسماء الفقهاء الذين يتم ذكرهم هنا من المشهورين في الفتوى وأجلهم شيخ الشافعية بزبيد يوسف المقرئ الجبائي فقد مال رحمه الله إلى الصحة وأطال في الاستدلال لها، ولم يبال بمخالفته لأكثر فقهاء عصره، وتبعه مفتي عدن الفقيه عبد الله بن أحمد بامخرمة صاحب الفتاوى ويلمح من كلامه أن القصد لا سبيل إلى معرفته، وتعقب بأنه يطلع عليه بالقرائن، وقد خالفه صاحبه الفقيه محمد بن أحمد بافضل في من علم من نذره حرمان الآخرين ففارقه وقضى ببطلانه، وفي النور السافر فائدة تدل على الصداقة الأكيدة بين هذين الفقيهين حيث سئل بامخرمة أي أعلم أنت أم الفقيه محمد؟، فقال أنا أعلم منه وهو أورع مني، وهذا جواب منه على سبيل الإنصاف رحمة الله عليهما.

ومن أفضل من قرر صحة النذر صاحب المختصرات الفقيه عبدالله بن عبد الرحمن بافضل، وكان قد انتفع بالفقيه بامخرمة السابق ذكره قريبا، ومما قاله في هذا المضمار إن الهبة مستحبة إجماعا، وإنما يكره إذا أضمر أو أظهر أنه لا يعطي الآخر شيئا، وقد لا يكره التخصيص حيث كان الآخر عاقا أو فاسقا يصرفه في المعاصي أو رضي بذلك، ويعضده صحة صوم الدهر مطلقا، والصلاة في أرض مغصوبة حيث تصح ويصلي في غيرها، وكذا يقال الهبة لبعضهم مستحبة وترك العدل هو المكروه.. انتهى.

والصحة أيضا اختيار عبد الله بن عمر بامخرمة، وكذا الأشخر ت 991 بقوله وهذا هو المعتمد، ومن غير أهل اليمن ابن حجر كما سبق والسمهودي ت 911 هـ، وألمح محمد الرملي في نهاية المحتاج إلى صحة هذا النذر في قوله على كلام المصنف لا يصح نذر المعصية وكالمعصية المكروه لذاته أو لازمه كصوم الدهر لمن يتضرر به فتقييده المكروه أن يكون ذاتيا يشير إلى ما أشار إليه ابن حجر الهيتمي.

وقد توارد عليه كثير من الفقهاء بعد ذلك، وقالوا بالصحة حتى نقل عبد الله بن محمد باقشير عن علماء عصره كما في القلائد وبالصحة استقر العمل.

ولكي يتم التوازن بين الفريقين وجب علينا إيراد كلام اثنين منهما حيث مضى بنا ذكر اثنين من الفريق الأول حتى نعدل بينهما، ولا يجوز التفضيل حيث لا حاجة داعية إليه، ونقف مع الفقيه عبد الله بن عمر بامخرمة من أهل اليمن ومن غيرهم نعرج على ابن حجر تلميذ زكريا الأنصاري.

عبدالله بن عمر بامخرمة

هو حفيد عبدالله بن أحمد، صاحب الفتاوى المفيدة، ويدعى بالشافعي الصغير لسعة علمه وهو أيضا قرين ابن حجر الهيتمي، وقد نقل حامد بن عمر أن بامخرمة هذا أوسع من ابن حجر علما، ولكنه استدرك بعد ذلك بأن ابن حجر أقوى مدركا ولذا اعتمدوه، ولبامخرمة تعليقات على تحفة ابن حجر، كما أن له تعقبات عديدة لبعض فتاواه جاءت مبثوثة في الهجرانية والعدنية، غير أنهما اتفقا هنا في القول بالصحة، وقد صرح بامخرمة في الفتاوى بأن المعتمد في المسألة إن كان بقصد حرمان الورثة حرام، أو لبعض أولاده فقط مكروه ومع ذلك فهما صحيحان لأن النهي لأمر خارج، وأطال في الاستشهاد لذلك في فتاويه الهجرانية والعدنية وأطنب فيهما كثيرا.

ونص جوابه في الهجرانية في المسألة التاسعة والستين بعد المائة عن النذر الذي نحن بصدد الحديث عنه لو نذر لأحد من أولاده بشيء ولم يعط كلا من الآخرين مثل ذلك.. المرجح الصحة؛ لأن النهي فيه لأمر خارج وعليه فلا فرق بين أن يقصد التخصيص أم لا، أما إذا نذر التخصيص كأن قال لله علي أن أخص ولدي فلان بالعطية أو بالصدقة أو نحو ذلك فهذا لا ينعقد قطعا لأن المنذور به في هذه الحالة التخصيص نفسه وهو منهي عنه وإلزام المنهي لا يصح.

أحمد بن حجر الهيتمي

أطال الاستشهاد في التحفة والفتاوى في صحة النذر لبعض الأولاد ومحل الخلاف حيث لم يسن إيثار بعضهم، وشاع قوله عند الكثير ممن بعده ومما ورد في الفتاوى بعد أن ذكر اختلاف أهل اليمن الذي نقلناه في تاريخ المسألة وانتهى إلى ذكر من قال بصحته ممن سبقه كالفقيه يوسف المقري وعبد الله بن أحمد بامخرمة قال وهذا الذي يتجه ترجيحه لأن الذي دل عليه كلامهم في باب النذر أن مرادهم بقولهم لا ينعقد نذر المكروه لذاته بخلاف المكروه لمعنى خارج عن ذاته بأن تكون ذاته قربة، وإنما اقترن بها أمر خارج عنها صيره مكروها، فهذا ينعقد نذره كما صرحوا به في مسائل منها صوم الدهر فقد أطلق في الروضة انعقاد نذره مع أنه قد مر في باب الصوم كراهته في بعض الصور...

وذكر ما يؤيد قوله بمسائل أخرى غير ما سبق ذكرها منها:

- تصريحهم بانعقاد نذر صوم الدهر من المرأة المزوجة بغير إذن زوجها ومن الرقيق بغير إذن سيده ولم ينظروا إلى حرمة الصوم عليهما بغير إذا الزوج والسيد لأن الحرمة ليست لذات الصوم بل لما عرض من تفويت حق الزوج والسيد...

- وأصرح مما قلناه في انعقاد صوم الدهر مع كراهته تصريح الشيخين بصحة نذر صوم يوم الجمعة مع كراهته فإنهما وغيرهما صرحوا بأنه لو نسي اليوم المعين من الأسبوع صام يوم الجمعة وعللوه بأنه آخر الأسبوع، فإن كان اليوم المعين غيره فهو قضاء، وإن كان هو المعين فهو أداء، فقولهم أداء صريح في صحة نذره، وإذا صح نذره مع كراهته لأنها لمعنى خارج عن ذات الصوم وهو الإضعاف عما فيه من الوظائف الدينية فكذلك يصح إعطاء بعض الأولاد مع كراهته، وظهر لك أن من قال في نذر إعطاء بعض الأولاد بالبطلان غفل عما قالوه في صوم الدهر وصوم الجمعة ونظر إلى مجرد قولهم لا يصح نذر المكروه وتأمل ذلك ولا تغتر بغيره.

وهكذا تم لنا العدل في الوقوف على المقالين، وذكر ما عرضوه من الأقوال ليمعن الواقف على هذا النذر النظر بعد ذلك في المناقشة التي نحن واردون سوقها.

الفصل الخامس

مناقشة بين الفريقين

لقد اتضحت معنا حجج الفريقين وما ركنوا إليه واعتمدوا عليه في إثبات أقوالهم، وعرفنا مورد الحزبين وما أسفر عنه من مادة علمية تثري البحث، وقبل أن نأتي إلى ثمرة هذا الخلاف بقي في البحث بقية مهمة تكمن في مناقشة الأدلة حيث لا يكفي في الخلاف إثبات قول الجماعة الموافقة بل لا بد من رد ما أتت به الفرقة المخالفة، حتى يتم صحة القول المختار وبطلان الآخر، وهنا نلمح جولة أخرى لا تقل ضراوة عن السابقة، ونصيغها بما تحصل لنا ونلحظه من ثنايا الأقوال بما يلي:

مناقشة القائلين بالصحة للفريق الأول

ونبدأ باعتراض مؤيدي هذا العقد في ردهم على الفريق الأول بما مفاده:

أولا: الرد عليهم في الاستدلال بحديث النعمان رضي الله عنهما وذلك بالتسليم بالصحة والدلالة معا أي انه صحيح صريح في منع التفضيل، ولكن لا دلالة فيه على ما ذهبوا إليه من بطلان النذر لأن هناك فرقا بين أن تكون الكراهة ذاتية أو عارضة، والتسليم لهم في بطلان النذر في الأولى دون الثانية، قالوا وعلى هذا التفصيل فلا حجة لكم في الحديث لخصوص النزاع بل نحن وأنتم قائلون بأن النذر لا ينعقد إلا فيما هو قربة سواء كان التفضيل بين الأولاد للكراهة أو التحريم، ولكن لا يلزم من الكراهة أو الحرمة البطلان إلا إذا رجعتا إلى معنى يتعلق بذات المنذور به كما قررناه، فلا معارضة إذا بين الحديث وما ذهبنا إليه من صحة هذا النذر.

ثانيا: ما ساقوه من النظر إلى باطن الأمر معارض بأن الباطن ليس موكولا إلينا، والظاهر يبنى على الظواهر والله ولي السرائر، والذي يفسد العقد إنما يرجع إلى الإخلال بشروطه قالوا وكل ما أبطله شرط العقد لا يضر إضمار نيته كما قال الأصحاب وذكر صاحب الكافي أنه مع ذلك الإضمار هل يحل باطنا وجهان قال وأصحهما عندي يحل، فالشروط المبطلة للعقد لا تؤثر في صحته قصدها عنده أو قصده لأجلها قالوا فأولى قصد الإضرار هنا.

ثالثا: ما ذكر من شأن الحيل أنها إذا كان فيها ضرر بحق الغير وجب المنع، فهذا لا ينافي العقد لأنها مع حرمتها وإسقاطها لحق الغير المتعلق بالتسوية بين الأولاد فالنذر صحيح مع ما اشتمل عليه من الحيلة كما صرحوا به في الشفعة بعد وجوبها، وكذلك كلامهم في الزكاة صريح في أن الحيلة المسقطة لها لا تمنع صحة التصرف وإن قلنا بحرمة الحيلة، وحاصل كلامهم في ذلك أنها بقصد الفرار وحده مكروهة هذا هو المذهب واختار الغزالي أنها حرام وأن الذمة لا تبرأ وأن ذلك من العلم الضار ووافقه الزركشي وجعله مثل طلاق المريض فرارا والإقرار لبعض الورثة بقصد حرمان الباقين، فالكلام على عقد النذر لبعض الأولاد بأنه من الحيل لا يضر في الصحة نظير ما سبق كما أن القول بجواز العقد لا يسقط الإثم عن من يتعاطى الحيل الممنوعة والله أعلم.

مناقشة القائلين بالبطلان للفريق الثاني

والآن نستخرج ما يكون مجالا لما دفع به معارضو العقد أقوال الفريق الثاني، ويمكن تلخيص نقاشهم في ما يلي:

أولا: القاعدة التي تفرق بين النهي إذا كان ذاتيا أو لأمر عارض فيها خلاف مشهور بين العلماء في كل منهي له جهتان إحداهما مأمور بها ككونه صلاة مثلا، والأخرى منهي عنها ككونه في أرض مغصوبة، فالجمهور قالوا أن جهة الأمر منفكة عن جهة النهي فلم يقتض النهي الفساد، وقال الحنابلة لم تنفك عنها فاقتضاه وعبر عن ذلك نظما.

دخول ذي كراهة فيما أمر *** به بلا قيد وفصل قد نظر

فنفي صحة ونفي الأجر *** في وقت كره للصلاة يجري

وإن يك النهي عن الأمر فصل *** فالفعل بالصحة لا الأجر اتصل

وذا إلى الجمهور ذو انتساب *** وقيل بالأجر مع العقاب

لازم الأخذ بالقاعدة

ولقد التزم هؤلاء بلازم المثال الذي في صورة الصلاة في الأرض المغصوبة وأن الإثم باق على الغاصب لتحريم فعله، ويبنى على ذلك بأن مقارف هذا عقد النذر مرتكب المخالفة الشرعية، وتارك الإرشاد النبوي ولا يجوز أن يقدم من يطلب الأجر في نذر التبرر من حيث يرتكب المحظور في التفضيل بين الأولاد.

ونورد ما يشكل على قولهم في القاعدة أمران:

أحدهما مراعاة القياس الصحيح

إن القياس الصحيح يقضي الرجوع في النذر لبعض الأولاد قياسا على من وهب لابنه دون الآخرين وقد أمر رسول الله بشيرا برد ما نحله ابنه النعمان وفي رواية (أرجعه). ولم يكن يرد التفريق بين ما كان لذات المعقود أو لأمر عارض، فصورة الهبة قد استكملت ما تقرر من أركان تتعلق بأهلية الواهب وأن يكون الموهوب مما يجوز بيعه وشرط قبض الموهوب له، وهو ما استوفاه هذا النذر في ظاهره أيضا فوجب بطلانه وفق هذا القياس الصحيح بل أن باب النذر أوسع من الهبة لكون القربة شرطا في المنذور به في باب النذر دون اشتراطها في الموهوب، إذن فالقياس يؤيد الرجوع فيما فضل به بعض الأولاد لأنه جور لا يصلح.

الثاني اعتراض على القاعدة

يشكل على القاعدة المذكورة إيراد الفقهاء مسألة نذر الصلاة في الأرض المغصوبة تفريعا على نذر عتق المرهون من غير تفريق بين النهي في ذات الفعل كما هو في المسألة الأولى أو لعارض كالثانية، وقد صحح نذر الصلاة في الأرض المغصوبة البغوي في التهذيب والقفال في الفتاوى والجرجاني في الإيضاح قالوا ويصلي في موضع آخر، وجزم بعدم الانعقاد المحاملي في المقنع ورجحه الماوردي وقال الزركشي أنه الأقرب.

والقول بصحة الصلاة المنذورة في الأرض المغصوبة مع كونها معصية حيث يرجع النهي فيها إلى الذات لا يستقيم مع القاعدة قياسا على نذر عتق المرهون التي يرجع النهي لأمر خارج، وهو من المسائل التي تستثنى من قول النووي في المنهاج (ولا يصح النذر في معصية) وقد استدرك هذا التناقض شراح المنهاج فأبدوا ملحظا مهما وزعموا أن كلام النووي يفهم منه أن نذر الصلاة في الأرض المغصوبة لا ينعقد خلافا لمن سبق ليرتفع الإشكال ونسوق كلامهم على النحو التالي

- ذكر الخطيب الشربيني في مغني المحتاج بأن قول المحاملي هو الظاهر الجاري على القواعد، وأنه يتأيد بالنذر في الأوقات المكروهة.

- وزعم الرملي في نهاية المحتاج أن ما أفهمه كلام المتن من عدم انعقاد نذر الصلاة في المغصوب هو أوجه من قول غيره ينعقد ويصلي في غيره، ويؤيده نذر صلاة لا سبب لها في وقت مكروه، وصلاة ثوب نجس.

- وأوضح ابن حجر في تحفة المحتاج بأن ما يفهمه كلام المتن من أنه لو نذر أن يصلي في مغصوب لم ينعقد أقرب من قول آخرين ينعقد ويصلي في غيره، ويؤيده نذر صلاة لا سبب لها في وقت مكروه، وصلاة ثوب نجس، وزاد بأنه يفرق بين الحرمة في هذين لذات المنذور بخلافها في عتق المرهون.

وذهب شطا في حاشيته إعانة الطالبين إلى عدم التفريق بين المعصية الذاتية والعارضية وصرح بأن نذر الصلاة في الأرض المغصوبة معصية عارضية بخلاف الذاتية كالنذر بشرب الخمر، وخلط بين المناطين فجعل نذر الصلاة في الأوقات المكروهة و في ثوب نجس من هذا الباب ونسب إلى البغوي حكم البطلان.

وبالجملة فالذي أريد بيانه هنا أن الأولين لم يفرقوا بين المعصية للذات أو لأمر خارج مثل البغوي والقفال والجرجاني، وهو اختيار صاحب المختصرات بافضل حيث قرن صحة صوم الدهر مطلقا، بالصلاة في أرض مغصوبة حيث تصح ويصلي في غيرها، وهذا مما يشكل على من جعل ذلك أصلا وجرى الشيرازي في التنبيه على أنه لا يصح النذر إلا في قربة وعبارة الحاوي النذر التزام قربة.

ثانيا إن المسائل التي ذكرها المصححون أيضا وقاموا بتخريج هذا النذر عليها لم تقبل بالقبول الحسن مطلقا، بل يجد المدقق فيها خلافا وتوقفا وإجالة نظر يسبق المذهب بانعقاد النذر فيها، ويلحقه أيضا تعقب كما يرى استشكالا لبعض الفقهاء بما يمكن الوقوف عنده على النحو التالي:

- أما من نذر صوم الدهر فقد سبق أن نقلنا عبارة الرافعي التي تقضي بانعقاد نذره، مع إطلاق بعضهم القول بكراهته، قال ولا يبعد أن يتوقف على ذلك التقدير في صحته لأن النذر تقرب والمكروه لا يتقرب به، والمذهب انعقاده.

فتأمل هذا التوقف تجده صريحا في ذكر الخلاف والاحتراز من الجزم في ذلك قبل انعقاد المذهب عليه، وفي ذلك مندوحة لمن رام التأمل والرد أيضا، وقد استشكل الأذرعي تصريح البغوي بكراهة صوم الدهر ثم تصريحه بعد ذلك بانعقاد نذره.

وذكر الدميري في النجم الوهاج بأن كلام المتولي يفهم عدم الانعقاد في نذر صوم الدهر، وأشار إليه الرافعي تفقها لأن المكروه لا يتقرب به إلى الله تعالى.

ومن هنا تعقب الزركشي قول المجموع بلزوم الوفاء بنذر صوم الدهر بلا خلاف بما نصه وليس كما قال بل كلام المتولي يفهم عدم الانعقاد وأشار إليه الرافعي تفقها لأن النذر تقرب والمكروه لا يتقرب به وهذا هو المختار.

قال الخطيب الشربيني في المغني وهذا ظاهر؛ لأن المباح لا ينعقد فالمكروه بطريق الأولى أما إذا لم يخف به فوت حق ولا ضرر عليه فينعقد...

وهذا يدل على البطلان وهو ما اقتضاه كلام الخطيب تبعا لشيخه زكريا.

وعلى كل أمر فللطعن في الفرع الذي هو النذر لبعض الأولاد نظر قوي حيث لم يستقم الأمر في ما ذكروه في الأصل وهو نذر صوم الدهر الذي تطرق فيه النزاع، فما يقال فيه من استشكال فهو في الفرع ألصق إذ لا يستقيم الظل والعود أعوج كما يقال وبهذا يتبين ضعف ذلك التخريج وصواب من خالفه والله أعلم.

- أما النذر بعتق المرهون فقد صرح في شرح المهذب أن نذر المحجور عليه بسفه مالا معينا يبنى عليه كما قال المتولي وغيره، وهل توقف صحة تصرف من أعتق أو وهب أو يكون باطلا، وفيه خلاف مشهور الصحيح بطلانه فيكون النذر باطلا، وإن توقفنا فالنذر صحيحا.

وفي الروضة أن نذر المفلس مالا معينا يبنى على ما لو أعتق أو وهب هل يتوقف صحة تصرفه أم يكون باطلا؟ فإن أبطلناه فكذا النذر، وإن توقفنا توقف النذر قاله في التتمة.

فانظر إلى هذا التوقف قبل انعقاد النذر تجد تحرزا في البت في الحكم هذا إذا ضم إليه التعجب من ذلك في الخادم لكونه لا نذر في معصية وأن هذا العتق لا يجوز الإقدام عليه كما صرح به الرافعي حيث قال إن الراهن ممنوع من إنشاء العتق شرعا وإن نفذناه، ثم قال وقد سبق في كتاب الرهن عن النص الجواز، ويحتمل أن يقال صح نذره مع ذلك، ويكون له جهتان كالصلاة في الدار المغصوبة ولعله أقرب.

وأورد في التوشيح إعتاق العبد المرهون فإن الرافعي حكى عن التتمة أن نذره منعقد إن نفذناه في الحال أو عند أداء المال وذكر في الرهن أن الإقدام على عتق العبد المرهون لا يجوز فإن تم الكلامان كان نذرا في معصية منعقدا.

وهذا يقضي بالخلاف فيما وقع فيه أصحاب القياس حيث أن الأصل تطرق إليه ما سبق من كلام ولا ينفذ في مسألتنا لاشتماله على المعصية.

- وأما من نذر بما يحتاج إليه لوفاء دينه فقد ورد في الروضة أن الأصح تحريم التصدق بذلك المال، وقال الأسنوي في المهمات فإن طالب فلا سبيل إلى القول بالجواز لوجوب أدائه على الفور، بل في وجوب الفور عند عدم المطالبة أيضا.

قال الأذرعي واعلم أن إطلاقهم هنا يقتضي أنه لا فرق بين من عليه دين لا يرجو له وفا له أومن تلزمه نفقته وهو محتاج إلى صرف ماله في الدين والنفقة وبين غيره وقد قال النووي في آخر صدقة التطوع أن الأصح تحريم الصدقة بما يحتاج إليه لنفقة من تلزمه نفقته أو لدين له وفا وإذا كان كذلك ففي صحة انعقاد نذر من هذه حالته بماله ولزوم التصدق به نظر للمتأمل.

وقال الزركشي فيمن نذر التصدق بماله وعليه دين لا يرجو له وفا أو نفقة من تلزمه نفقته وليس له غيره فالأشبه عدم صحة نذره لأنه ممنوع من الصدقة به كما سبقه الأذرعي.

وهذا الأصل المخرج عليه النذر لبعض الأولاد قد أبدى فيه هؤلاء الفقهاء تحفظهم وأن للمتأمل النظر فيه بل الأشبه عدم صحة نذره فالقول في الفرع من باب أولى كما هو واضح.

وقفة مع ذيل نذر المدين

ولا بد لنا أن نعير هذا الأصل وهو من نذر التصدق بماله وعليه دين لا يرجو له وفاء لفتة ونظرة ونمعن فيه الفكرة لأنه من أهم المسائل التي تم تخريج النذر لبعض الأولاد عليها في القياس، ويبدو لي أنه صوت ارتفع في أودية البحث وبلغ ذروته بين ابن زياد وابن حجر الهيتمي وكان صداه مسألتنا التي تعد أحد فروع التبرعات، والعجب أن من تصدق بماله وعليه دين لا يرجو وفاءه الذي يعد أصلا لتخريج النذر لبعض الأولاد هو الآخر كان فرعا في بداية أمره، وخرجوه على أصل آخر بحثه ابن الرفعة واقتضاه كلامه في الكفاية والمطلب حيث مال إلى تحريم التصدق وعبارته في الكفاية في تصدق من عليه دين لا يرجو وفاء ثم إذا قلنا بالتحريم هل يملكه المتصدق عليه ينبغي فيه خلاف كالخلاف فيما إذا وهب الشخص ما معه من الماء بعد دخول الوقت، وقيل هذا جار في تصدقه بجميع ماله تطوعا بعد وجوب الزكاة وتمكن من أدائها، ووافقه على بحثه الأذرعي وتبعهما الزركشي بأن نذره باطل، وقال بالنظر فيه الأسنوي وزاد منع الهبة.

ثم خاض فقهاء اليمن في هذا وحققه فقيه زبيد عمر الفتى في فتاويه حين سئل عمن نذر لبعض الورثة إضرارا بالآخرين هل يصح قال لا يصح لعدم القربة، وبحث معه أيضا بعض التبرعات الأخرى كالبيع أو الإقرار لبعض الورثة وأبطلها واعترض عليه بعض معاصريه -لعله يوسف الجبائي أو بامخرمة الجد- قال والمذهب المشهور المنصوص صحة تصرفه في جميع ذلك قبل الحجر.

وممن اعتمد بطلان نذر المدين إن كان دينه مستغرقا العلامة الطيب الناشري -صاحب الإيضاح على الحاوي وشيخ القماط والرداد- على ما فهمه من نجم الدين ابن الرفعة بناه على بيع الماء وهبته في الوقت حتى يجري فيه الخلاف ويكون المنع هو الصحيح، وعن الإيضاح أيضا بطلان العتق مع تشوف الشارع إليه، وقد وافقه أيضا من تلاميذه حمزة الناشري ت 926هـ في مسألة التبرع وقاس أبو بكر بن الخياط ذلك على مسألة بيع الماء وهبته، وأجاب القماط بالبطلان أيضا وزاد على ذلك من نذر التصدق بماله وعليه نفقة من تلزمه نفقته، وبحثه الكمال الرداد، وزاد منعه فيما يحتاجه لنفقة نفسه حيث لا يرجو غيره وهو ما ذهب إليه محمد بن أحمد بافضل.

وأدلى فيها الشهاب المزجد صاحب العباب في فتاويه في جوابه عن سؤال هل يصح النذر من المديون بما يحتاج إليه لوفاء دينه؟ فأجاب بما لفظه إذا كان لا يصبر على الإضاقة وإلا فلا إذ التصدق في هذه الحالة مكروه والنذر لا يصح بالمكروه.

وأفتى أيضا أبو العباس الطنبداوي ببطلان نذره كما نقله عنه تلميذه ابن زياد الذي أبدى وأعاد في هذه المسالة وأفتى بعدم صحة تمليك من يبادر بذلك إذا طالبه أهل الديون وكذلك عتقه ووقفه.

تعقيب على تعقيب

ولكي نركب متن الإنصاف فعلينا أن نسوق ما عقب به المؤيدون على تعقيب المعارضين حين صالوا برد المسائل المخرج عليها من أقوال الأذرعي والزركشي وهما ممن اهتم بالروضة شرحا وخدمة، وقد انبرى عبدالله عمر بامخرمة وكذا ابن حجر الهيتمي في الرد على الأذرعي فيما استشكله ودفعا قوله بالحجة ذاتها وهي كون النهي ليس ذاتيا وإنما هو لأمر خارج عنه زاد ابن حجر بقوله وبما تقرر -من كونه لأمر خارج- يندفع ميل الأذرعي الأخذ بقضية توقف الرافعي وتعجبه من جمع البغوي بين القول بالكراهة وانعقاد النذر وإن تبعه غيره على ذلك وأطالوا فيه، وقال في موضع آخر "وإذا تأملت ما ذكرته في هذا ظهر لك أن ما مر عن الأذرعي وغيره من النزاع في انعقاد نذر صوم الدهر إذا قلنا بكراهته غفلة عن كلامهم هذا أعني الذي ذكرته في انعقاد نذر صوم يوم الجمعة مع كراهته. وهو ما أخذوه عن الفتاوى ابن حجر والمكروه لا يتقرب به والمذهب انعقاده" إ هـ.

وقد بسط ابن حجر الرد على ما وقع للزركشي أيضا في الإيعاب شرح العباب وكذا أوضح ملحظه في الفتاوى مما يدل على أن ذيل هذه المسألة طويل لمن رام التتبع وهو ما لا يتفق مع روح بحثنا، ولا حاجة بنا لتسويد ما لا يعود بعظيم النفع حيث في ما أرودناه الكفاية.

والذي يظهر أن العمدة في رفع هذا الملام ودفع هذا الكلام ما حققه الجوجري شارح في شرح الإرشاد عن ذلك بكلام حسن فقال "فإن قلت فهل للتوفيق بين ما في الروضة والمجموع وشرح هنا من إطلاق الانعقاد وبين ما ذكرناه في صوم التطوع من الكراهة إما مطلقا أو على التفصيل الذي نقل وجه أم لا قلت يمكن أن يقال في وجه التوفيق أن ما ذكر هنا لأجل أن الصوم في نفسه قربة وطاعة فصح التزامه بالنذر ووجب الوفاء به مطلقا من غير تفصيل وما ذكر هنا من الكراهة ليس راجعا إلى الصوم من حيث ذاته بل باعتبار ما يعرض له من خوف الضرر والفوت فالمكروه في الحقيقة هو التفويت والتعرض للضرر لا نفس الصوم ويؤيد ما ذكرته أن البغوي صرح بالكراهة وبانعقاد النذر وحينئذ فقول المطلق أن كلام التنبيه صريح في عدم الصحة لأنه قال لا يصح النذر إلا في قربة غير ظاهر ومثل عبارة التنبيه في ذلك عبارة الحاوي النذر التزام قربة فلا يقتضي ذلك تخصيص ذلك بالتنبيه" إ هـ.

والعجيب أن الجوجري مع تقريره هذا بين النهي الذي يعود إلى ذات الشيء أو لأمر خارج فإنه يبطل عقد النذر لبعض الأولاد فلينتبه لهذا فإنه مهم.

ثالثا مناقشة الحوالة على التحفة

أدان الفقيه أبو شامة الذين يظهرون التعصب لأقوال الشافعي كيفما كانت، ونعى عليهم الانكباب على الاشتغال بتصانيف الشيرازي والغزالي حتى صار المتبحر المرتفع عند نفسه يرى نصوصها كنصوص الكتاب والسنة لا يرى الخروج عنها، فماذا عساه أن يقول على المتأخرين وحالهم مع التحفة؟ ومن أجمل أقواله ومنها "إن التعصب لمذهب الإمام المقلد ليس هو باتباع أقواله كلها كيفما كانت بل الجمع بينها وبين ما ثبت من الأخبار والآثار، والأمر عند المقلدين أو أكثرهم بخلاف هذا، إنما يؤولونه تنزيلا على نص إمامهم، ثم الشافعيون أولى بما ذكرنا ـ اتباع الأثر ـ لنص إمامهم على ترك قوله إذا ظفر بحديث ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلافه".

ولو ذهبنا في الاستطراد عن ذم التقليد لخرجنا عن المقصود بل يغني عن الذم اشتهار الحكم، ولنرجع إلى حديثنا ونقول إن للمعترض أن يرد على حوالتهم المذكورة على التحفة من أربع جهات:

الأولى ما ورد في حاشية الشيخ عبد الحميد على التحفة من رده على من قال أن الكراهة أو الحرمة غير ذاتية بل لأمر عارض بما أوضحه أن قول جمع لا يصح لأن الإيثار بغير غرض صحيح مردود بأنه لأمر عارض هو خشية العقوق من الباقين قوله لأمر عارض، وقد يقال أي خشية العقوق ممن لم يعط لازم للإيثار المذكور بحسب الشأن كما هو ظاهر فلا يتم ما ادعاه من الرد. فهذه واحدة.

الثانية نستطيع أن نناقش هذه القضية من خلال كلام عبد العزيز الزمزمي ت 976هـ ونصه إذا اختلف اليمنيون والمصريون ومع اليمنيين مثل الشيخ زكريا أو ابن حجر فهم العمدة وخصوصا مع قوة التهمة في قصد الحرمان... انتهى كلامه. وقد استوفت مسألتنا هذه القيود الثلاثة المشار إليها فيما سردناه من أقوال أكثر فقهاء اليمن على الحكم بالبطلان، وموافقة الشيخ زكريا له، ولا شك أن من أطلق عليه في المذهب بشيخ الإسلام لا يسابقه أقرانه فضلا عن تلاميذه.

وابن اللبون إذا ما لز في قرن لم يستطع صولة البزل المقاعيس

وهذا مجارة لكلام الزمزمي وإلا فالحجة في المقالة لا من قالها.

الثالثة ما أفاده زين الدين المليباري -تلميذ ابن حجر- في فتح المعين شرح قرة العين باحتراز المعصية عن القربة المشترطة في النذر قال وكالمعصية المكروه كالصلاة عند القبر، والنذر لأحد أبويه أو أولاده فقط، انتهى الشاهد منه وهو واضح في بطلان عقد النذر لبعض الأولاد بل تراه قد استخدم عبارة شيخه في التحفة ولكن قضى بغير ما قرره شيخه.

وهذه التسوية بين المعصية والمكروه في جريان الحكم هو الأقيس خلافا لما أبداه أبو بكر بن محمد شطا في حاشيته إعانة الطالبين على حل ألفاظ فتح المعين حين فرق بين النذر في المعصية والنذر في المكروه، ولم يلتفت في نذر المعصية إلى كونها ذاتية كالنذر بشرب الخمر مثلا أو عارضية كما لو نذر أن يصلي في الأرض المغصوبة ولما أتى إلى المكروه استثناه بقوله وليس الأمر كذلك في المكروه يعني عدم التفريق بين الذاتي والعارضي.

وإفراد المحرم بالتسوية بين ما هو ذاتي أو لأمر خارج دون المكروه لا يقوم على القاعدة المطردة فلا يستقيم التفريق المذكور والله أعلم.

الرابعة ما ذكروه من التزام ما قاله في التحفة ليس على إطلاقه بل هو مقيد بدليل خروجهم عن ما تقرر فيها، ويكفينا دليلا على ذلك ما تمحلوه من جواز بيع العهدة الذي راج بحضرموت مع أن ابن حجر قد اشتد نكيره على من أيده، وقضى ببطلانه حيث قال تنبيه وقع لكثير من علماء حضرموت في بيع العهدة المعروف بمكة ببيع الناس آراء واضحة البطلان.. لا تتأتى على مذهبنا بوجوه لفقوها من حدسهم تارة، ومن أقوال في بعض المذاهب تارة أخرى مع عدم اتقانهم لنقلها... فيجب إنكارها وعدم الالتفات إليها.

وهذا كلام في غاية الذم لهذا العقد بل زاده في الفتاوى إيضاحا بمخالفة كثير من علماء حضرموت في بيع العهدة المذهب المخالفة الصريحة وإبداء آراء يجزمون بها مع خروجها عن المذهب وقواعده الكلية.. قال ولم أر لهم عذرا في ذلك!!.

ونراهم خالفوا التحفة بحجة أن البيع وقع عن تراض وأن إضمار الوفاء قبل العقد بما يضمره المعهد والمتعهد ولم يذكر في صلب العقد لا يفسده فاكتفوا من العقد بصيغة الإيجاب والقبول ولم ينظروا للأرباح التي يأخذها المتعهد والفوائد التي يجنيها من المعهد ثم يعود المبيع حين يعود وقد أفضى إلى الربا كما قاله شيخنا عبد الرحمن بكير في كتابه بيع العهدة.

فانظر إلى ما أحلوه تارة بكونه موافقا لما قالوا، وإباحتهم ما منعته التحفة مراعاة لواقعهم مع أن الصحيح -بادي الرأي- منع العقدين معا وهما العهدة والنذر لبعض الأولاد.

والواجب الانحلال من أغلال التقليد التي أحكمها دعاته حيث لا يستطيع الطالب حراكا فتضيق عليه رحابة البحث ولا يخرج من ربقته إلى فضاء ساحة النظر، وما أحسن قول الأول

يقولون أقوالا ولا يفهمونها إذا قيل هاتوا حققوا لم يحققوا.

الفصل السادس

معالم تميل بالبحث نحو الترجيح

لقد تم طي السجل عن أقوال الفريقين، وتجلت لنا صورة هذا النذر واضحة بين مؤيديه ومعارضيه وقد أبلي كل بعدما أدلى بما أوتيه من برهان، وأبان عن قوله مشفوعا بالبيان، وشاهدنا العرض الذي لاحت فيه البراهين القاطعة، والحجج الساطعة، وقد كثر الخصام حتى بلغ الذروة كما سبق، وبقي من الأمر أشده وهو النظر بالترجيح إلى ما سبق وفق الحق الذي يطيش بميزان الذر، وانتهينا إلى الحكومة التي ترد النزاع إلى كتاب أو سنة ولا ينفع في هذا المقام قاعدة المذهب كيت وكيت، وقطع به جمهور الأصحاب، وتحصل لنا في المسألة كذا وكذا وجها وإن علا نسب علمه كما يقول ابن القيم في المسائل الاجتهادية.

ونذكر هنا من المعالم الواضحة التي تعيننا على معرفة ما تحت غبار المعترك، لكي نخرج من مضيق الخلاف خاصة بعدما استحكم بصخرة السجال حيث تم حشد الأدلة والأقوال والفروع تأكيد لما ذهب إليه كل فريق، ويمكن دفع الصخرة قليلا حتى تنفرج القضية تماما لذي بصر بالتالي:

أولا تحقيق المناط

المناط هو الوصف الذي علق به الحكم في محل خفيت فيه العلة، فإذا شرع المكلف في شرب الخمر مثلا قيل له هذا خمر أم لا؟ فلا بد من النظر في كونه خمرا أم غيره، وهو تحقيق المناط فإذا وجد أمارتها أو حقيقتها بنظر معتبر فيقال كل خمر حرام فإذا تحقق مناطه عنده صح الحكم، وهنا يقال إن العلة في العطية لبعض الأولاد هي العقوق الذي ينشأ وهي متحققة في النذر لبعض الأولاد كالهبة تماما، فلحكم إذا يعلق بوجودها ويحرم سدا للذريعة، قال الناظم:

إن علل الحكم بعلة غلب *** وجودها اكتفى بهذا عن الطلب

ولا بد أن يجعل الحكم تابعا للدليل، وفي ولايته أعني حديث النعمان بن بشير حيث تم اقتباس ما تضمنه من حكم بعد أن عرضنا عليه الواقعة لتكون على وفاق ما يدل عليه، فظهر أن التفضيل الذي يقوم عليه هذا العقد لا يصلح، وهو جور لا تجوز الشهادة عليه كما هو صريح ألفاظ حديث النعمان بل وفي بعضها أمره برد بشير ما نحله ولده وإرجاعه منه، ونقيض مراعاة ذلك ثلاثة أمور هي الوقوع في الجور، والشهادة على ذلك، وجواز صلاحيته، قال ابن القيم متعجبا فمن الذي يطيب قلبه من المسلمين أن يشهد على ما حكم النبي صلى الله عليه وسلم بأنه جور، وأنه لا يصلح، وأنه خلاف تقوى الله وأنه خلاف العدل؟.

وصدق الأول بقوله:

إذا جالت خيول النص يومـا *** تجاري في ميادين الكفـاح

غدت شبه القياس لديه صرعى *** تطير رؤوسهن مع الريـاح

ثانيا القياس الصحيح

القياس الصحيح يؤيد الرجوع في النذر لبعض الأولاد قياسا على ما ثبت من الأمر برد بشير ما نحله ولده، وهو أولى من الذهاب إلى آراء وأقوال بطينة من القياسات العقلية خميصة من الأدلة النقلية، كما أن ما يصدر به النذر في صيغته المشهورة من قولهم نذر وتبرر فلان لابنه بكذا.. صريح في أن مراد الناذر التبرر، وفعله التفضيل مخالف لمراده لأنه منهي عنه، فكيف يطلب الأجر من حيث الوقوع في الممنوع الذي يترتب عليه الحكم كراهة أو تحريما، وقد احترز أهل الورع من فعل هذا الأمر الذي لا يراد به وجه الله كما قال الشيخ محمد بن عبدالله باسودان إذ لا يستقيم أن ينقض الناذر ما غزله بالنذر من كونه برا مع المخالفة الصريحة في ما يدعو إلى النزاع، ولا يجدي بعد ذلك ما يؤكده في النذر نفسه من وصيته لأولاده بالتآخي والمواساة وهو يزرع بينهم ما لا يثمر هذا، ثم ماذا نفعل بشهادة من أدلى بالشهادة على هذا الفعل، وهي شهادة رغب رسولنا عنها، وقال لبشير بن سعد اشهد على هذا غيري على سبيل التهديد.

ثالثا ذم التقليد

لا يسوغ تقليد الشيوخ دون تمحيص أقوالهم في المسائل التي اجتهدوا فيها، فكيف يصح أن تكون آراء العالم مذهبا في الفتوى والقضاء دون غيره؟ فإذا قال قولا أو خرجه ألزم به المستفتي حيث لا يلتفت إلى غيره. فلا شك أنه لا يستجيز هذا من أراد معرفة الحق عند التنازع، بل عليه أن يبذل وسعه في طلبه ويستفرغ جهده في البحث عنه ولا يرضى بما عليه معاشر المقلدين، إذ التقليد لا يفيد علما، وهو ممنوع إذا كان معارضا للنصوص قاله كائنا من كان.

ثم إن الواجب تصدير الأحكام بالنصوص أصالة ثم يكون تابعا لها القواعد والشواهد، واجتهاد الشيوخ، وما أجمل قول القاضي أبي نصر في قوله لسنا نجعل مَن تصديره في كتبه ومسائله يقول0 ابن المسيب والزهري وربيعة كمن تصديره يقول الله ورسوله والإجماع هيهات، وسأل السلطان يعقوب بن يوسف المنصور أبا بكر الجياني ما قرأت؟ فقال تواليف الإمام ابن تومرت، قال فزوره وقال ما كذا يقول الطالب حكمك أن تقول قرأت كتاب الله، وقرأت من السنة ثم بعد ذا قل ما شئت.

رابعا النظر إلى مآل الأفعال

النظر إلى مآلات الأفعال معتبر ومقصود شرعا، فلا بد من النظر إلى ما يفضي إليه هذا النذر من مفاسد تنزه الشريعة عنها، ولو لم يكن من الأدلة ما يكون نصا في النهي عنه فإن القياس وأصول الشريعة تدل على ذلك، فكيف وقد ثبت من الصحيح ما يحسم مادة الخلاف! قال ابن القيم في إغاثة اللهفان: "وأمر بالتسوية بين الأولاد في العطية، وأخبر أن تخصيص بعضهم بها جور لا يصلح ولا تنبغي الشهادة عليه، وأمر فاعله برده وأمره بتقوى الله تعالى، وأمره بالعدل لكون ذلك ذريعة ظاهرة قوية جدا إلى وقوع العداوة بين الأولاد، وقطيعة الرحم بينهم، وهو مشاهد عيانا، فلو لم تأت السنة الصريحة التي لا معارض لها بالمنع منه لكان القياس وأصول الشريعة وما تضمنته من المصالح ودرء المفاسد يقتضي تحريمه، وقال في إعلام الموقعين وهذا الحديث من تفاصيل العدل الذي أمر الله به في كتابه وقامت به السموات والأرض، وأسست عليه الشريعة، فهو أشد موافقة للقرآن من كل قياس على وجه الأرض".

وما ذكره الشيخ من أن وقوع العداوة والقطيعة مشاهدا عيانا في وقته بسبب التفضيل في الهبة فإن من وقف على أغلب ما ورد في عقد النذر لبعض الأولاد يكون مؤاخيا له في العداوة إن لم يكبر عليه وقد شاهدنا ما تعافه له النفوس من وقوع هذه العداوات ولا حول ولا قوة إلا بالله.

خامسا إبطال الحيل

إبطال الحيل التي تحيل الحكم الشرعي في المحظور إلى عمل ظاهره غير ذلك أحوج ما نكون إلى إعماله في هذا المقام، وتراني أقف في جانب من شدد النكير على من يتلاعب في الدين بالحيل مني إلى من يركن إلى المسامحة فيه بحجة عموم البلوى، واسمع إلى الشوكاني يجرد لنا من كنانته سهما يزهق به تلاعب من يتعاطى الوقف على أولاده الذكور دون الإناث وذلك في أن يكون مصرف الوقف قربة "هذا الوقف الذي جاءت به الشريعة، ورغب فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعله أصحابه هو الذي يتقرب به إلى الله عز وجل حتى يكون من الصدقة الجارية.. فلا يصح أن يكون مصرفه غير قربة لأن ذلك خلاف موضوع الوقف المشروع، وأما الأوقاف التي يراد بها قطع ما أمر الله به أن يوصل، ومخالفة فرائض الله عز وجل فهو باطل من أصله لا ينعقد بحال، وذلك كمن يقف على ذكور أولاده دون إناثهم وما أشبه ذلك فإن هذا لم يرد به التقرب إلى الله عز وجل بل أراد المخالفة لأحكام الله عز وجل والمعاندة لما شرعه لعباده وجعل هذا الوقف الطاغوتي ذريعة إلى ذلك المقصد الشيطاني فليكن هذا منك على ذكر فما أكثر وقوعه في هذه الأزمنة وهكذا وقف من لا يحمله الوقف إلا محبة بقاء المال في ذريته وعدم خروجه عن أملاكهم فيقفه على ذريته فإن هذا إنما أراد المخالفة لحكم الله عز وجل في انتقال الملك بالميراث وتفويض الوارث ميراثه يتصرف به كيف يشاء وليس أمر غناء الورثة ولا فقرهم إلى هذا الوارث بل هو إلى الله عز وجل وقد توجد القربة في مثل هذا الوقف على الذرية نادرا بحسب اختلاف الأشخاص فعلى الناظر أن يمعن النظر في الأسباب المقتضية لذلك من هذا النادر أن يقف على من تمسك بطرق الصلاح من ذريته واشتغل بطلب العلم فإن هذا الوقف قربة ربما يكون المقصد فيه خالصا والقربة متحققة، والأعمال بالنيات، ولكن يفوض الأمر إلى ما حكم الله به بين عباده وارتضاه لهم أولى وأحق".

وتدبر ما أشار إليه مما يشبه ذلك تجد النذر لبعضهم دون الآخرين من هذا الباب بل ربما قصد بعضهم الحرمان صراحة كما أقر به الفقهاء وسيأتي ذكره فلا شك أنه منه وإليه يعود.

وقد أبطل الشوكاني هذا الوقف مع ما قد يحتويه من أمر نادر تتحقق فيه القربة، وهو ما يكون من وقف على من اشتغل بعلم، ومع هذا فقضية كلامه أنه لا يلتفت إلى حكم النادر ويقسم ماله بما قسم الله دون اعتبار النيات، وهذا أيضا يمكن أن نجعله تعقبا على ما قيد به بعضهم صحة عقد النذر لبعض الأولاد إذا دعت الحاجة إلى ذلك نحو علم وصلاح فلينتبه لهذا.

سادسا ضوابط التخريج

ينبغي مراعاة صحة القياس وتخريج الأقوال في المسائل الاجتهادية، وقد ذكر ولي الله الدهلوي في كتابه الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف فائدة أحببنا أن نسوقها هنا برمتها لموافقتها بحثنا حيث أن المتقدمين لم يتعرضوا للنذر لبعض الأولاد بعينها، وفي المسائل التي تم استنباط الحكم منها تحرز واضح للمتأمل، ونص هذه الفائدة هو "ولا ينبغي لمخرج أن يخرج قولا لا يفيده نفس كلام أصحابه.. ويكون بناء على تخريج مناط أو حمل نظير المسألة عليها مما يختلف فيه أهل الوجوه وتتعارض الآراء، ولو أن أصحابه سئلوا عن تلك المسألة ربما لم يحملوا النظير على النظير لمانع وربما ذكروا علة ما خرجه هو".

قال ولا ينبغي أن يرد حديثا أو أثرا تطابق عليه كلام القوم لقاعدة استخرجها هو وأصحابه كرد حديث المصراة وكإسقاط سهم ذوي القربى فإن رعاية الحديث أوجب من رعاية تلك القاعدة المخرجة وإلى هذا المعنى أشار الشافعي حيث قال: "مهما قلت من قول أو أصلت من أصل فبلغكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلاف ما قلت فالقول ما قاله صلى الله عليه وسلم".

وفي كلامه هذا نستطيع أن نلمح قضايا نحن بحاجة إلى مراعاتها في عقدنا فقد أصاب في تقريره ما نحتاج إلى اعتباره في بحثنا، ومن ركن إلى كثير من القياسات فلينظر بم يرجع؟ وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل كما يقال.

سابعا الخروج من الخلاف مستحب

قاعدة "الخروج من الخلاف مستحب" مما ينبغي الاستفادة منها في هذا النذر، وهو حلية لمن يتصف بالإنصاف، فإذا دار الخلاف بين التحريم والجواز فيتجه اجتناب المحرم كما قال الشيخ علي عبد الرحيم باكثير ما نصه: "قال ابن عبد السلام في (قواعده الكبرى) أطلق الأصحاب أن الخروج من الخلاف حيث وقع أفضل من التورط فيه، وليس الأمر على ما أطلقه بل الخلاف على أقسام الأول بين التحريم والجواز فالاجتناب أفضل..."

والعلماء متفقون على استحباب الخروج من الخلاف للاحتياط والاستبراء في الدين وهو مطلوب شرعي مطلقا والقول بأن الخروج من الخلاف أفضل ثابت من حيث العموم واعتماده من الورع المطلوب شرعا كما قال السبكي، وقيده الكردي بقيود ثلاثة هي:

- أن لا يوقع في خلاف آخر ومن ثم قال القاضي حسين في أوائل باب صلاة المسافر إنما يصار إلى الاحتياط عند الشافعي يعني الخروج من الخلاف إذا لم يكن فيه ارتكاب محظور.

- أن لا يخالف سنة ثابتة كما في المجوع لا حرمة لخلاف يخالف ما ثبت في السنة أي الحديث الصحيح.

- أن يقوى مدركه قال السيوطي في أشباه والنظائر بحيث لا يعد هفوة.

والخلاف في النذر لبعض الأولاد يدور بين الصحة والبطلان فبمقتضى التقرير الأول يكون الاجتناب أفضل كما أنها قد استوفت القيود الثلاثة المشار إليها، ولذا قال محمد بن عبدالله باسودان وقد احترز أهل الورع من فعل هذه الأمور...

وهذه الجملة جاءت في قول الناظم:

وإن الأورع الذي يخرج من *** خلافهم ولو ضعيفا فاستبن

فيتوجب علينا أن نؤصل إصلاح السرائر، وتجذير التقوى في النفوس فإنها المؤمل في إصلاح تصرفات العبد، وتجنبه مزلة الوقوع في المخالفات.

ثامنا قصد الحرمان

لا يقيد بطلان هذا النذر بقصد الحرمان كما هو واضح ومع هذا فإن شهادة الفقهاء الذين يتعاملون معه من الناحية العملية تكشف لنا قصد كثير ممن يتعاطونه، فلا يملك هؤلاء الفقهاء غير تسجيل شهادة مهمة في هذا المجال حيث يطلب منهم ناس كتابة هذا العقد وهم يريدون حرمان بعض أولادهم بحجة النذر، ويطلبون منهم فعل ذلك إفتاء بتقريرهم العلمي الذي ارتضوه من الصحة، ثم إذا ما رجح هذا الشيخ تقريره العلمي مع توجس لم يغادر قلبه من العواقب السيئة المرجوة وأمضى العقد يقع ما يخشاه من نزاع فيقبل المستفتون كرة أخرى ولكنهم هذه المرة يطالبونه قضاء إن كان قاضيا بالحكم، فلم يزل في هذه القضية إفتاء وقضاء محكوم بما لا يدعمه الواقع، إذا فشهادة مثل هذه مهمة في النظر وتفتح بابا جديدا في سير الدعوى.

وفيمن نذر بماله فرارا من دعوى حق ظهر على الناذر أو من ميراث وارث فنذر به لغيره عن فقهاء اليمن الحسين بن عبد الرحمن الأهدل وأبي القاسم بن مطير وعبدالله بن أبي بكر الأزرق قالوا لا يجوز لقاض أو شاهد علم ذلك منه تنفيذه أو الشهادة به..

وقد خص النذر الذي نحن نبحث فيه بالذكر محمد عمر قضام في فتواه وصرح بالبطلان حيث لم يكن للناذر مال غير ما نذر به ولم يقارنه معنى يمنع الكراهة قال وكذا لو ثبت قصد حرمان غيره ولو بنكوله عن نفي علمه، وحلف الغير به إن ادعاه، وبتعبير الشيخ محمد بن عبدالله باسودان في فتاويه أن أهل الورع رغبوا عنه ولم يصححوا النذر الذي لاحت فيه قرائن الحرمان، وقالوا أيضا والنذر بشرطه القربة وأي قربة في حرمان الورثة.

ونختم مسألة القصود المعتبرة في العقود بفتوى للعلامة عمر الفتى حين سئل عما لفظه رجل له ورثة وله مال وعليه ديون كمهر أو غيره فأراد إضرار الغرماء فباع بعض الورثة، أو أقر لهم، أو نذر عليهم، أو التزم في ذمته تلك الأموال إضرارا بالغرماء، فحصل منها تفويت تركته كلها ثم مات، هل تصح هذه التبرعات أو لا؟ فأجاب بقوله أما النذر فلا يصح لعدم القربة، وأما الالتزام بلفظه فلا يصح، وأما الإقرار ظاهرا من غير حقيقة فإنه لا يصح باطنا، ومن علم مراده ممن سمعه لا تحل له الشهادة، وأما البيع بهذا القصد فحرام بلا شك، وأما صحته فالذي ينبغي ويتجه بل يتعين أن يحكم بفساده من وجوه منها المضارة ومنها أنه يترتب عليه مفسدة عظيمة وهي سد باب استيفاء الديون والأحكام لأن كل واحد يقدر على هذا فيتعطل على الحكام الحكم والحبس بالديون.

فتأمل هذا الكلام فإنه مهم ولا يحسن هذا إلا من سافر إلى مقاصد الشرع ومصالح العباد.

الفصل السابع

قول ثالث وأجمل الفتاوى

انتهى سياق الخلف بين المقالين وما عقبه من مناقشة ثم ترجيح، ونريد في هذا المبحث أن نعرج على قول ثالث جنح إلى التوسط ورام الجمع بين القولين، وهو فصل يساعد على التعامل مع هذا العقد الذي عم الإبتلاء به، والتوفيق بين أصحابه في مسألة اجتهادية.

ومنطق هذا الصنف ومنطلقه -بادي الرأي- هو الوقوف بجلالة أما حجج الفريق الأول التي تقضي بالبطلان كما أفاده حديث النعمان وأيدته القواعد والواقع الذي يشهد بالمآل ولكن مع هيبة المؤيدين له ممن تمكن قوله في القلب وعلق بمشربهم، فلم يستطع هؤلاء المتوسطون تبني البطلان مذهبا للميل إلى فريق الصحة، ولا مجاراة هؤلاء بعدما استوقفته الحجج والواقع الذي يرونه فساروا بينَ بين، وانحازوا عنهما إلى الصلح بما تقتضيه مصلحة المتخاصمين وهو قول على أية حال له حظه من النظر.

وليس كل خلاف جاء معتبرا *** إلا خلاف له حظ من النظر

ونستطيع أن نقول أن الذين جنحوا للتوسط والصلح بين المتخاصمين قد وجدوا لهم مستندا في كلام الفقهاء السابقين عند من تعترضه فتوى مفتيين هل يأخذ بالأغلظ أم بالأخف أم يتخير؟ الصحيح عند الشيخ أبي إسحاق والخطيب البغدادي أنه يتخير، ونص على مثل ذلك في أصل الروضة بقوله فرع إذا وجد مفتيان فأكثر هل يلزمه أن يجتهد فيسأل أعلمهم؟ وجهان. قال ابن شريح نعم واختاره ابن كج والقفال، وأصحهما عند الجمهور أن يتخير فيسأل من شاء.

هذا على وجه العموم ثم خص الفقيه عمر بن عبد الرحيم البصري مسألة النذر لبعض الأولاد بالذكر وتكلم عليها في الفتاوى وذكر الفريقين الذين طال بينهما الخصام من أهل اليمن ومن تدخل من المصريين وأهل الحجاز فقال قد تعارض في هاتين المسألتين -النذر لبعض الأولاد بشيء أو لأجنبي بقصد حرمان الورثة- إفتاء طائفتين متكافئتين أو متقاربتين، والمعول عليه في نحو ذلك ما نص عليه الأصحاب يعني التخيير..... وأضاف والحاصل أن ما تقرر من التخيير مع أنه المعتمد عند أئمة المذهب كما تقرر لا محيد عنه في عصرنا بالنسبة إلينا وإلى أمثالنا القاصرين عن رتبة الترجيح... وبالجملة فالمعتمد وهو الأحوط وأورع ما تقرر من التخيير وهو الذي درج عليه السلف الصالح المشهود لهم أنهم خير القرون والله أعلم.

وذكر الشيخ السلمي في كتابه فرائد الفوائد إن كان الناظر أهلا للترجيح أخذ بما ترجح عنده وإلا فيتجه أن يبني ذلك على ما إذا اختلف على المستفتي فتوى مفتيين وأورد قول ابن حجر في التحفة في عقد النذر لبعض الأولاد كمثال.

فإذن يمكن اعتبار الشيخ البصري هو حامل لواء التوسط بما اختاره من قوله يتخير المفتي والقاضي بأخذ أي القولين شاء، وقد زاد الشيخ عبد الله بن أبي بكر الخطيب التريمي قيدا وهو مراعاة المصلحة والإصلاح بين المتخاصمين في قوله وعندنا أننا نفتي بالتخيير ونقضي بما نراه راجحا للمصلحة والتوسط بالإصلاح فيما يجاذبه الإختلاف صواب وتبعه الشيخ عبدالله بن أبي بكر الخطيب.

- من أروع الفتاوى

وفي ختام المقام ننشر مسكا من روائع الفتاوى الأولى جاد بها الفقيه عبدالله بن عمر بن يحي باعلوي ت 1265هـ في جوابه على سؤال فيمن نذر لبعض أولاده الصغار في مقابل ما أعطى بقية أولاده فقام بتقسيم أصحاب السؤال إلى أربع درجات.

- درجة الورعين الذين غلب عليهم الخوف وهو التنزه عنه بالكلية وعدم أخذه وإن طابت به الصدور.

- درجة العدول الأخيار التاركين للعار، وهو أن يجمعوا الورثة ويعلموهم بأن الناذر فعل هذا في مقابلة ما معكم من العطايا فإن طابت نفوسهم فالمنذور به مقبول وإن شحوا به فهو ميراث.

- درجة من غلب عليهم حب الدنيا الفانية وقصرت بهم هممهم عن المرتب العالية ولكن بقيت معهم المروءة باقية وهو الصلح على إبقاء بعضها وإبطال بقيتها ونقضها.

- درجة الأسافل والحمقى والأراذل الذين يحبون جمع الحطام، ولو كان بخرم المروءة والخصام، وهي الدرجة السفلى التي لا مرحبا بها ولا أهلا، وهي أن يطلبوا حكم الظاهر ويعرضوا عن السرائر وحزازات الضمائر.

انتهى كلامه الرصين، وبيانه الشافي المتين، وهو خاص بمن عرضت له شبهة إعطاء أولاده الكبار، فأراد النذر للصغار ومع هذا فصل الشيخ فيه هذا التفصيل، فكيف بمن قصد الحرمان، وما هي درجتهم التي تنزل عن درجة الأسافل الحمقى؟.

والثانية أبانها الشيخ محسن بن علوي السقاف ت 1290هـ في أثناء فتوى له بقوله ومن حق الحاكم المستبرئ لدينه إذا وصلا إليه أن يعظ مدعي الصحة، ويخوفه ويعلمه بأن ذلك حرام وأي حرام، وأنه من المظالم الشنيعة، فإن أبى فيسعى بين الخصمين بالصلح فإنه خير، فإن أبوا فيتوقف الحاكم عن الحكم في ذلك، وأشار إلى أن من حق الحاكم أن يبحث على القضية من جميع أطرافها عله يهتدي إلى ما يسوغ الإبطال...

ولله دره ما أجمل تقريره هذا الذي يعالج الواقع المبتلى بهذا العقد، ويتدرج القاضي حين تصل إليه المسألة وقد وصل النزاع بين المتخاصمين حدا لا يفصل فيه إلا القضاء، فإذا جلسا بين يديه نزل بهم هذه الدرجات المشار إليها، وانظر وصيته للحاكم بأن يبحث القضية من جميع أطرافها عله يهتدي إلى ما يسوغ الإبطال تجدها نافعة شافية.

وهذا هو علاج لبرء هذا الداء الواقع وخلاصته أمور هي:

- بيان حكم المسألة بأدلتها للمتخاصمين.

- التنزه عن هذا النذر ورده إلى التركة وقسمته بحكم المواريث.

- التوسط بالصلح إن رضي من حرم به قبل رضا الآخر.

- التوقف في الحكم لئلا تصيب المفتي أو القاضي معرة الظلم المقترن به.

والمقصود أن هذا القول دل عليه النص والقياس الصحيح وأصول الشرع والأخذ بالشواهد ومجموعها هذه الأمور وتظاهرها يشكل العدل الذي بعثت به الرسل و الفيصل بين المختلفين قال الشاعر:

حكمتموه فقـضى بينكم *** أبلج مثل القمـر الباهر

لا يقبل الرشوة في حكمه *** ولا يبـالي غيرة الخاسر

الفصل الثامن

النذر لبعض الأولاد في ساحة القضاء

لقد أسلمتنا ركائب البحث إلى دائرة القضاء بعد أن وصلنا في التأليف إلى الحقيقة واضحة وضوح الشمس وترجح القول بالبطلان بما لا يقف عنده المخالف إلا بالرجوع عن قوله، وترك التمادي في تقرير النذر لبعض الأولاد، فمن يمم وجهه شطر هذا التأليف وقف على الحجة المبنية على النصوص وأصول الشريعة، وبدأ مراجعة ما كان يصبو إليه من العمل بما تضمنه النذر الذي بحوزته حيث اطلع على أسراره، وكانت الثمرة أن يئس من الجزم بالقول الواحد.

ثم إذا انتقل خطوة أخرى وقصد الفتوى التي تستند على روح الشريعة بعيدا عن الإيغال في دائرة القياس وآراء الرجال، وكانت تقضي ببطلان ما يحمله من صيغة فإن ذلك يشكل له صدمة ثانية لا يملك بعدها غير أن يلج بدعوته إلى دائرة القضاء، والاطراح بين يدي القاضي ليفصل في قضيته، وهنا توجب علينا أن نسلط الضوء على دور القضاء الذي يسهم في هذا المضمار.

إذن فالحاجة تدعونا في البحث عن النظرة الفقهية ومعرفة مضامين هذا النذر التي تستند عليها القوانين، وأن نقدم خدمة لمجتمعنا تجنبه كل ما يصدع بناءه، ونبين للناس ما يتفق مع مقاصد الشريعة ليكونوا على بينة من أمرهم قبل أن يقرعوا أبواب المحاكم وبعد أن يرفضوا باب الصلح.

ونتكلم على ثلاث مراتب في هذا الموضوع الأولى تتعلق بما ذكره السابقون ممن تكلم على موقف القاضي في الدعوى في مثل هذه التبرعات، والثانية نخصصها عن المحاكم الشرعية بالسلطنة القعيطية في حضرموت والثالثة تقف بنا عند القانون للأحوال الشخصية الذي يعمل به في اليمن.

أولا خشية الله تحدو بالقاضي أن لا يتسرع بإمضاء العقد

1) يصرح الأذرعي في مسألة بعينها -أقر فيها رجل بأن ما تحت يده هو ملك بعض ورثته- بعد أن ذكر اختلاف العلماء فيها عند التهمة وقوى عدم القبول قال وقد يغلب على الظن كذب المقر بل قد يقطع به في بعض الأحوال، فلا ينبغي لمن يخشى ألله أن يقضي بالصحة مطلقا وإن ساعده إطلاق الشافعي وأصحاب، ولا شك فيه إذا علم بقصده الحرمان.

ووافق الزركشي الغزالي فيما ذهب إليه في تحريم الحيلة المسقطة للزكاة وأن الذمة لا تبرأ وأن ذلك من العلم الضار وجعله مثل طلاق المريض فرارا والإقرار لبعض الورثة بقصد حرمان الباقين.

2) ذكر عبد الرحمن بامزروع الشبامي في الفتاوى في مسألة أيضا أقر رجل بمال من نخيل وذبور تحت يده أنها لبعض ورثته فقال إن كان المقر متهما بحرمان بقية الورثة ففي المسألة اختلاف بين للعلماء وينبغي لمن يريد الاستبراء لدينه والمخلص عند الله أن ينظر ما ينجيه عند الله الذي إليه مرجعه، فإن الإقرار لا يغير حكما في الباطن....

3) أفاد عبدالله بن عمر بامخرمة -وقد تولى قضاء الشحر مرتين- في الفتاوى العدنية في قضية اشتملت على تخصيص بعض الأولاد من غير مزية بما لفظه فلا ينبغي لمن يخشى الله أن يفتي بالصحة والبينة التي تقوم بمثل هذه الأشياء الغالب أنها فاجرة فمن حق القاضي التثبت بالتعديل والاستفصال التام ليكون على بينة من ربه.

وهذه الأقوال الثلاثة تصرح بأن الظن يغلب على حرمان الورثة بهذه الحيل فيجب على القضاة أن ينظروا فيما يأتي به العوام من طوام، وتكاد تتطابق ألفاظهم تبعا للمعنى في التحلي بخشية الله عز وجل والبراءة للدين فهي قد خرجت من مشكاة واحدة.

ثانيا القضاء في المحاكم الشرعية بالسلطنة القعيطية

لقد شهدت فترة الدولة القعيطية نشأة المؤسسات في صورتها الأولى ومنها مؤسسة القضاء الشرعي لا سيما في عهد السلطان صالح بن غالب القعيطي 1355 - 1375هـ، وكان الشيخ عبدالله بن عوض بكير رئيسا للقضاء الأعلى بالمكلا، وقد قام بوضع لبنات هذه المؤسسة وترسيخ دعائمها، حتى انخلعت من قيد التقليد إلى رحابة الشريعة وأصولها العامة، ودخل التعديل على نصوص القانون الذي كان سائدا على وفق السياسة الشرعية، وتقوى هذا التعديل بأمر السلطان به ليصير بذلك معتمدا، ولم يعد العمل على إمضاء النذر لبعض الأولاد، وجواز تبرع من ارتكبته ديون استغرقت أمواله ليضيع على الدائنين ديونهم، وكذا من نذر بنصف بيته الذي يملكه على الشيوع ليضر بأخيه ويسقط حقه في الشفعة بذلك النذر، لم يعتبر كل هذا الذي جرى عمل المحاكم بالسلطنة قبل التشريعات عليه، ولقد خرجت التعديلات الجديدة بالقانون عن معتمد الشافعية بل ربما عن المذهب بالكلية مراعاة للمصالح العامة لحديث لا ضرر ولا ضرار، ولم تنظر إلى حرية الفرد في التصرفات في حقوقه وإطلاق التبرع له ولو كان في ذلك التصرف مضرة بالغير.

ونبدأ أولا بالذي يعنينا من هذه التعديلات ثم نعرج على ما له قرابة بالموضوع كما أفادها شيخنا عبد الرحمن بن عبدالله بكير في كتابه (نماذج من فقه القضاء وفقه الفتوى بحضرموت) وقد كان مستشار قضائي بحضرموت سابقا ورئيس محكمة استئناف متقاعد، ومما ورد فيه ما يلي

- نصت المادة الثامنة والسبعون على أن النذر لبعض الأولاد لتخصيصه به بدون مبرر يبرره أو مسوغ يسوغه لا تقبل الدعوى به لما في ذلك من أسباب تثير الحفائظ، وتكون سببا من أسباب تنافر الأسر، وهو أمر لا تريده الشريعة الإسلامية المطهرة وإنما تريد كل ما من شأنه أن يؤلف بينها ويجمع كلمتها.

ومما طالته أيضا يد التعديل وقطع دابر الضرر من النصوص ما يلي

- المادة السابعة والثلاثون بعدم نفوذ تبرعات من عليه ديون استغرقت أمواله بعد أن يكون الغرماء طالبوا أمام القضاء بديونهم حتى ولو لم تصدر تعليمات الحجز من القضاء على تلك الأموال ا، وبهذا سدت المادة في وجه المتلاعبين بحقوق الناس وأموالهم التي استدانوها بحكم الثقة والتبادل التجاري، وحفظت لذوي الحقوق حقوقهم بمجرد تقدمهم بمطالبتهم بديونهم إمام دواوين القضاء.

- وقضت المادة الأربعون بإلغاء إقرار المريض في مرضه الذي مات منه إذا أقر لبعض ورثته بعين أو دين إذا قام لدى الحاكم من القرائن ما يدل على أن قصده بإقراره حرمان باقي ورثته، وسدت هذه المادة فرجة كان يدخل منها الأغنياء الحاقدون على بعض من سيرثهم بحرمان من عين من أعيان متروكاتهم، أو لإدخال النقص على نصيبه إذا كان الإقرار بدين.

- وأوضحت المادة السابعة والسبعون في الشريك الذي ادعى أنه تصرف بحصته بنذر أو وهبه بدون مقابل بأن دعواه لا تقبل منه ويكون للشريك القديم حق الأخذ بالشفعة لأن دعوى النذر والهبة قد تكون حيلة يراد منها إسقاط الشفعة.

وخلاصة الحديث أن هذه الاختيارات الجديدة تهدف في مضمونها إلى رفع الضرر عن الغير منطلقة من قاعدة (لا ضرر ولا ضرار) وهو حديث أخرجه الإمام مالك في الموطأ وغيره، لأن الشريعة الإسلامية ذات مبادئ تقوم عليها قبل أن تكون فروع تتعلق بالأحكام وذات قواعد كلية قبل أن تكون مسائل فرعية.

وأوضح الشيخ عبد الرحمن بكير حفظه الله في كتابه ما ينشأ عن تطبيق هذه القاعدة وهما أمران أولهما أن الضرر لا يزال بالضرر، والثاني إعمال أخف الضررين وعلى هذا الأساس وضعت المسائل التي نحن بصدد الحديث عنها حتى لا يضار الدائنون بتصرفات مدينيهم المفلسين، ولا يضار الورثة بإقرار موروثيهم المرضى لبعضهم ببعض أموالهم، ولا يضار شريك في عقار من شريكه بالعمل بما يسقط حقه الظاهر بينما البطن بخلاف ذلك وإنما بالاحتيال عليه كإسقاط حقه في الشفعة ومضارته في ذلك، ولا يضار أولاد أب أو أم بالنذر لبعضهم من أبيهم وأمهم بدون مسوغ وترك الآخرين.

وأضاف بقوله حقا إنه سيدخل الضرر على المفلس بالحجر عليه في تصرفاته ولكنه أخف من ضرر الدائنين الذين قد استقرت حقوقهم في ذمته، وسيدخل الضرر على الوارث المقر له إلا أنه أخف من ضرر بقية الورثة؛ لأنه سيحصل على مثل ما يحصلون وفوق ذلك سينتج من الحكم بصحة الإقرار له أو النذر نفرة بين أعضاء أسرة تحافظ الشريعة على تماسكها لأنها النواة الأولى للمجتمع الذي تحرص الشريعة الإسلامية على تماسكه ووحدته.

ولنا أن نسجل إعجابنا بهذه الاختيارات الموافقة لروح الشريعة، والمصالح المرعية، ونشير إلى أن القضاء بسيؤن حيث السلطنة الكثيرية لم يكن بهذا المستوى من الوضوح والجرأة على مفارقة المعتمد من المذهب الشافعي، ولكننا نشيد بما ذكره العلامة محسن بن علوي السقاف وكان قد تولى القضاء فترة وجيزة بسيؤن وسبق أن ذكرنا فتواه التي تضمنت الأمور التي يتدرج فيه القاضي ليأخذ بيد المنذور له إلى نبذ العقد، فيبدأ أولا بوعظه وتخويفه بأن ذلك حرام، فإن لم يفد مع التذكير نقله إلى المرتبة الثانية بالسعي بين الخصمين، فإن لم يثمر فيتوقف الحاكم عن الحكم في ذلك، وعلى القاضي أن يبحث على القضية من جميع أطرافها عله يهتدي إلى ما يسوغ الإبطال كما سبق.

ثالثا قانون الأحوال الشخصية في الجمهورية اليمنية

في هذه النقطة نريد أن نقلب الأبصار في قانون الأحوال الشخصية الذي يرجع إليه القضاء في الجمهورية اليمنية وما اعتمده في هذه المسألة حتى يكون المنذور له على بينة من أمره فلا يطيل الجدال مهددا بالقضاء حيث أنه سيلقي النهاية التي لا يرتضيها وذلك بعد أن حاد عن دائرة الفتوى، وما ورد في التأليف، وقد بحث القانون رقم (20) لسنة 1992م بشأن الأحوال الشخصية وتعديلاته وزارة الشؤون القانونية الطبعة الثانية يوليو 2004م في الكتاب الرابع الهبة ومشتبهاتها وهي الهدية والصدقة والنذر، وقد أوجب التسوية بين الأولاد في جميعها، وقرر أنه يجب على الواهب -وكذا الناذر كما هو مقتضى الشبه- إن كان له ورثة غير الموهوب له ولم يعطهم ما توجبه المساواة وجب عليه التسوية بحسب الميراث حتى إذا تعذر الرجوع في الهبة لزم احتساب ذلك المال الموهوب من ميراث الموهوب له بعد وفاة المورث، وأبعد من ذلك شوطا حتى حكم في الوصية الواجبة بما سيأتي ولنبدأ أولا بما يكون في مجال حديثنا على النحو التالي

مادة 183 تجب المساواة في الهبة والمشتبهات بها (الهدية، الصدقة، النذر) بين الأولاد وبين الورثة بحسب الفريضة الشرعية.

مادة 186 الهبة للوارث ووارثه في حياته تأخذ حكم الوصية إلا فيما استهلكه الموهوب له في حياة الواهب حقيقة أو حكما مع مراعاة أحكام المادة 183.

ومن أحكام الهبة الرجوع فيها وفيه

مادة 197 (5) إذا امتنع الرجوع لعدم توفر هذه الشروط فإن كان للواهب ورثة غير الموهوب له ولم يعطهم ما توجبه المساواة وجب عليه التسوية بحسب الميراث فإن لم يفعلها أو تعذرت لزم احتساب ذلك المال الموهوب من ميراث الموهوب له بعد وفاة المورث.

ومن أحكام الهبة مادة 174 يشترط في الواهب أن لا يكون مدينا بدين مستغرق لماله أو لا يكفي ما تبقى من ماله بعد الهبة لسداده إلا أن يجيز الهبة صاحب الدين.

ومن أحكام النذر ما يلي:

مادة 210 يشترط في المنذور عليه أن لا يكون معصية.

ومن باب الوصية الواجبة

مادة 260 تجب التسوية بين الأولاد في الزواج والتعليم، فإذا كان قد صرف أموالا في تزويج وتعليم البعض فعليه تسوية الآخرين بهم، فإن لم يفعل حتى مات ولم يوص بها سوّى القاضي بينهم بإخراج القدر المساوي لهم مع وجوب التسوية أيضا بين الأولاد وبقية الورثة إن كانوا طبق طريقة المواريث.

وهكذا يقضي هذا القانون بالتسوية بين الأولاد ويصب في مجرى ما تم ترجيحه في هذا البحث، ويفتح للمنذور له باب المراجعة قبل أن يلجأ إلى القضاء، أو القبول بالصلح فإنه خير.

ما يمكن خلاصته

ولا يتوهم أحد أننا ننقص من مقام أحد من الفقهاء الذين اشتغلوا بالفقه واجتهدوا في هذه المسألة المهمة، وإنما أردنا إظهار الحكم الصحيح المعتمد، وزجر من يتساهل في الفتيا بالصحة معتمدا على قول شيخ من الشيوخ غير ملتفت إلى اختلاف الفقهاء قال أبو أيوب السختياني أجسر الناس على الفتيا أقلهم علما باختلاف العلماء، وأمسك الناس عن الفتيا أعلمهم باختلاف العلماء إ.هـ وهذا واضح في من لم يسلك هذا المهيع، ويكتفي بالتقليد ويستند عليه إفتاء وقضاء مع أنه لا يفيد علما، وقد اختلفوا على ابن مسعود شهرا في المفوضة فقال أقول برأيي فإن كان صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان والله ورسوله منه براء، أرى أن لها مهر نسائها لا وكس ولا شطط ولها الميراث وعليها العدة فقام ناس من أشجع فقالوا نشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في امرأة منا يقال لها بروع بنت واشق مثل ما قضيت به، فما فرح ابن مسعود بشيء بعد الإسلام فرحه بذلك، هذا ما تيسر جمعه في هذا البحث راجيا ما رجاه ابن مسعود رضي الله عنه ورحمة الله تغشى الجميع وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

أهم المصادر:

الحديث

1- فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني.

2- شرح صحيح مسلم للنووي.

3- تهذيب السنن لابن القيم.

4- صحيح ابن حبان.

5- شرح مشكل الآثار للطحاوي.

6- إصلاح المجتمع للبيحاني

الفقه

1- المجموع شرح المهذب للنووي.

2- روضة الطالبين للنووي.

3- إعانة الطالبين على حل ألفاظ فتح المعين لأبي بكر بن محمد شطا.

4- النجم الوهاج في شرح المنهاج للدميري.

5- أسنى المطالب شرح روض الطالب لزكريا الأنصاري.

6- مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ لمنهاج للخطيب الشربيني.

7- تحفة المحتاج لابن حجر الهيتمي.

8- حاشية عبد الحميد على التحفة.

9- فتح المعين شرح قرة العين للمليباري.

الفتاوى

1- الفتاوى الهجرانية والفتاوى العدنية لعبد الله بن عمر بامخرمة (كلاهما مخطوطة).

2- فتاوى بامزروع الشبامي (مخطوطة).

3- الفتاوى الكبرى لابن حجر الهيتمي.

4- الفتاوى النافعة لأبي بكر الخطيب.

5- فتح الإله المنان مما جمع من فتاوى سالم بن سعيد باغيثان.

6- إتحاف الفقيه فتاوى عبدالله بن حسين بلفقيه (مخطوطة).

7- فتاوى عبدالله بن عمر بن يحي.

8- فتاوى مشهور أو بغية المسترشدين لعبد الرحمن بن محمد المشهور.

9- غاية تلخيص المراد من فتاوى ابن زياد.

الفوائد والمجاميع

1- مجموع طه بن عمر السقاف.

2- قلائد الخرائد.

3- المقاصد السنية لمحمد بن عبد الله باسودان (مخطوطة).

4- الفوائد المكية لعلوي بن أحمد السقاف.

الأصول

1- الموافقات في أصول الشريعة للشاطبي.

2- إعلام الموقعين لابن القيم.

3- مذكرة أصول الفقه للشنقيطي.

4- الأشباه والنظائر للسيوطي.

5- الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف لولي الله الدهلوي.

تاريخ وتراجم

1- تحفة الزمن للحسين بن عبد الرحمن الأهدل.

2- النور السافر لعبد القادر العيدروس.

3- البدر الطالع لمحمد بن علي الشوكاني.

4- السنا الباهر للشلي باعلوي.

أبحاث ومراجع أخرى

1- بيع العهدة لعبد الرحمن بن عبدالله بكير.

2- نماذج من فقه القضاء وفقه الفتوى بحضرموت لعبد الرحمن بن عبدالله بكير.

3- قانون رقم (20) لسنة 1992م بشأن الأحوال الشخصية وتعديلاته وزارة الشؤون القانونية بالجمهورية اليمنية الطبعة الثانية يوليو 2004م.

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
النذر لبعض الأولاد
الثلاثاء 18 شوال 1433هـ الموافق:4 سبتمبر 2012م10:09:22 بتوقيت مكة
عاصم  
جزاكم الله خير وبارك فيكم.
 

* تنبيهات هامة:

1.    يتم قبول التعليقات المكتوبة باللغة العربية فقط.

2.    أي تعليق يحتوي تجريح او إساءة إلى شخص لن يتم نشره.

3.    أقصى حد لقبول التعليق لا يتجاوز 800 حرف.

4.    الالتزام بالموضوعية والجدية في التعليق.

5.    لن يتم اعتماد اي تعليق يخرج عن اطار الموضوع.

6.    الاستفسارات والطلبات والاقتراحات يمكن إرسالها على بريد الموقع، وسيتم تجاهل الرد عليها في التعليقات.

الاسم:  
البريد الإلكتروني: 
نص التعليق: 
 
   Refresh